الشيطان يريد أن يُضلّهم ثم يريد بعد ذلك أن يضلّوا هم بأنفسهم، فالشيطان يبدأ المرحلة وهم يتمونها، فهو يريد منهم المشاركة في أن يبتدعوا الضلال ويذهبوا فيه كل مذهب، يريد أن يطمئن إلى أنّهم يقومون بمهمته هو" [1] ."
3 ـ العدول عن الإقراض إلى القرض:
قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (سورة البقرة / 245) .
قال الطبري:"إنّما سمّاه الله تعالى ذكره قرضًا؛ لأن معنى القرض: إعطاء الرجل غيره ماله ممّلِكًا له، ليقضيه مثله إذا اقتضاه؛ فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، وإنّما يُعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة سمّاه قرضًا، إذا كان معنى القرض في لغة العرب ما وصفناه" [2] إذ القرض في اللغة القطع ثم سُمّي قطع المكان وتجاوزه قَرْضًا، ثم سمّي ما يدفع إلى الانسان من المال بشرط ردِّ بدله قرضًا [3] . قال القرطبي:"القرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، وأقرض فلانٌ فلانًا أي أعطاه ما يتجاوزه، أصله القطع، ومنه المقراض وأقرضته قطعتُ له من مالي قطعة يُجازى عليها، وانقرض القوم: انقطع أثرهم وهلكوا" [4] . والقرض اسمٌ معدولٌ به عن المصدر المقيس للفعل الرباعي (أقرض) ، أو كما عبّر أبو حيّان بأنه اسم أُقيم مقام المصدر الإقراض [5] . وإنّما قام القرض مقام الإقراض لمعنى مقصود وهو إرادة معنى (القرض) وهو: اسلاف المال بنية إرجاع مثله، ثم أطلق مجازًا على البذل لأجل الجزاء، ومنه بذل النفس والجسم رجاء الثواب، إذ ان المعنى معنى الإقراض فعل القرض وهو السلف [6] . فالمراد إذن بذل القرض وليس فعل
(1) معاني النحو، د. فاضل صالح السامرائي: 2/ 589؛ وينظر: التعبير القرآني، د. فاضل
السامرائي: ص 36.
(2) جامع البيان: 2/ 592.
(3) ينظر: المفردات: ص 666.
(4) الجامع لأحكام القرآن: 3/ 156.
(5) ينظر: البحر المحيط: 3/ 444.
(6) ينظر: التحرير والتنوير: 2/ 245.