فضلًا عن كونها نشأة واحدة؛ ولذا"عبر عنها بصيغة المرة لأنها نشأة دفعية تخالف النشأ الأول" [1] .
6 ـ العدول عن الإهلاك إلى المَهْلَك:
جاء هذا النوع من العدول في قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} (سورة الكهف / 59) .
في الآية عدول عن القياس؛ إذ القياس أن يكون (وجعلنا لإهلاكهم) هذا على المصدر الاصيل، أما على المصدر الميمي فكان ينبغي أن يكون القياس (لِمُهْلَكِهم) وعليها جاءت قراءة الحجاز والعراق، وهي التي عدّها الطبري أولى بالصواب من قراءة عاصم (لِمَهْلَكِهم) بفتح الميم واللام [2] . ولكن الذي يرجح قراءة حفص عن عاصم (مَهْلِكِهم) بفتح الميم وكسر اللام لأنه"قيل: (أهلكناهم) وقد قال قيل:"
(وتلك القرى) لأن الهلاك إنما حلَّ بأهل القُرى، فعاد إلى المعنى، وأجرى الكلام عليه دون اللفظ" [3] . هذا فضلًا عن كون الفعل إذا كان من باب (ضرب) يأتي المصدر الميمي منه على (مَفْعِل) بكسر العين، ويأتي اسما الزمان والمكان على"
(مَفْعَل) بفتح اللام [4] . ولمّا كان (هلك) من باب (ضرب) جاء المصدر الميمي منه على القياس وهو (مَهْلِك) ، وهو في الحقيقة معدول عن المصدر المقيس (إهلاك) ، قال الزمخشري:"أي: فضربنا لإهلاكهم وقتًا مَعْلومًا لا يتأَخرون عنه" [5] .
والنكتة في العدول عن (الإِهلاك) إلى (المَهْلِك) أي العدول عن المصدر القياسي لـ (أهلك) إلى المصدر الميمي للدلالة على أنّ الهلاك الذي حلّ بهم لم يحصل إلاّ بعد إمهالٍ ليكونوا إلى التوبة أقرب، إذ ليس المراد التعبير عن الإهلاك ذاته، بل المراد التعبير عن الهلاك الذي سيحلّ بأهل القرى، إن لم يتوبوا، هذا فضلًا عن كون الإهلاك يكون في الدنيا، والمَهْلِك يكون في الآخرة، أي: فأهلكناهم في الدنيا لما ظلموا أي وقت أن ظلموا ثم جعلنا لِمَهلِكهم في الآخرة موعدًا وهو يوم القيامة، بحيث جعلنا لإهلاكهم وقتًا
(1) التحرير والتنوير: 20/ 231.
(2) ينظر: جامع البيان: 15/ 270؛ وينظر: اتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر،
الدمياطي: ص 292؛ والحجة في القراءات السبعة، ابن خالويه: ص 227؛ كتاب السبعة في
القراءات، ابن مجاهد: ص 393؛ والنشر في القراءات العشر، ابن الجزري: 2/ 311؛ وينظر:
معجم القراءات القرآنية: 3/ 378 ـ 379.
(3) جامع البيان: 15/ 270.
(4) شرح الكافية الشافية، ابن مالك: 4/ 2246.
(5) الكشاف: 3/ 7.