وقد ورد هذا النوع من العدول في سورة نوح، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِن الأَرْضِ نَبَاتًا} (سورة نوح /17) وقد أشار الرازي إلى سر العدول عن القياس في هذه الآية قال وفيه"دقيقة لطيفة وهي أَنه لو قال إنباتًا كان المعنى أنبتكم إنباتًا عجيبًا غريبًا، ولما قال أنبتكم نباتًا كان المعنى انبتكم فنبتم نباتًا عجيبًا، وهذا أَولى لأن الإنبات صفة الله تعالى وصِفة الله غير محسوسة لنا، فلا نعرف أن ذلك الإنبات إنبات عجيب، وهذا المقام الاستدلال على كمال قدرة الله تعالى فلا يمكن اثباته بالسمع، وأما لما قال:"
{أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتًا} على معنى أنبتكم فنبتم نباتًا عجيبًا كاملًا كان ذلك وصفًا للنبات بكونه عجيبًا كاملًا، وكون النبات كذلك أمرًا شاهدًا محسوسًا، فيمكن الاستدلال به على كمال قدرة الله تعالى، فكان هذا موافقًا لهذا المقام؛ فظهر أن العدول من تلك الحقيقة كان لهذا السرّ اللطيف" [1] ."
5 ـ العدول عن الإنشاء إلى النشأة:
قال تعالى على لسان ابراهيم (- عليه السلام -) وهو يخاطب قومه: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة العنكبوت / 20) .
قال الزمخشري:"إنّهما نشأتان، وإن كل واحدة منها إنشاء، أي ابتداء واختراع، وإخراج من العدم إلى الوجود، لا تفاوت بينهما إلاّ أن الآخرة إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك" [2] . فالمعنى اللغوي للنّشْئ: إحداث الشيء وتربيته، وأكثر ما يُقال في حدوث الشيء شيئًا فشيئًا، قال تعالى: {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} (سورة الرعد / 12) أي: يكون حدوثه في الهواء شيئًا فشيئًا، والانشاء: إيجاد الشيء وتربيته [3] .والنشأةُ: مصدر مُؤَكّد لِيُنشِئ، إذ الأصل (إنشاء) [4] . وقد جاء (النشأة) معدولًا به عن القياس للدلالة على كون المراد ليس حقيقة الإنشاء وهو الإيجاد والإحداث للشيء ومراعاته شيئًا فشيئًا على التدريج، وإنما يراد نتيجة هذا الإنشاء، وهي الصورة المتحصلة منه، والحالة الكائنة إليه، فالصورة والحالة التي يكون فيها الإيجاد (نَشْأَة) بعد انشاء،
(1) التفسير الكبير: 30/ 140.
(2) الكشاف: 3/ 448؛ وفتح البيان: 10/ 179.
(3) ينظر: المفردات: ص 807.
(4) تفسير أبي السعود: 7/ 35.