فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 181

البلاغ هنا أهو مصدر من بَلَغ أم اسم مصدر من بلّغ، قال الزمخشري:"تشديد في ايجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحُجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط" [1] . ومجيءُ البلاغ معدولًا عن التبليغ للدلالة على كون البلاغ يشتمل المعنيين كليهما، فكأَنَّ المقصود بالبلاغ رسالة يؤديها الرسول كمًّا، فالرسالة بلاغ، وعمله في ايصال الرسالة تبليغ، وقال ابن عطية:"فحال من آمن وشهد شهادة الحق، فإنّه قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول من جهته أكثر من التبليغ، والله بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره وهو المجازي بحسب ذلك ثوابًا أو عقابًا، والبلاغ مصدر من بَلَغَ يبلُغ، والآية معناها الوعيد للمؤمنين إن انحرفوا ولم يتمثلوا ما بُلّغ إليهم" [2] . أي: إن الرسول ليس مكلفًّا إلاّ بالبلاغ، أي الإيصال، وأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول، ومن ذلك البلاغة وهي إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة اللفظ، فالبلاغ كفاية لأنه يبلغ مقدار الحاجة [3] . إذ ليس المقصود أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مكلف بإيجاد الإيمان في قلوب الناس [4] . بل المقصود حَمْل الرسالة، وإيصالها، فالعلاقة بين البلاغ والتبليغ لازمية وأجاز أبو حيان:"الوجهين، قال:"وقيل يجوز أن يكون (البلاغ) اسم جنس والمعنى ما على كل من ارسل إلاّ البلاغ، والبلاغ والبلوغ مصدران لبلَغ، وإذا كان البلاغ مصدرًا لبلّغ فبلاغ الشرائع مستلزم لتبليغ من أُرسل بها فعبّر باللازم عن الملزوم، ويحتمل أن يكون مصدرًا لبلّغ المشدد على حذف الزوائد فمعنى البلاغ التبليغ" [5] ."

وممّا تقدم تبين أنَّ [الزمخشري يرى أن البلاغ هنا بمعنى التبليغ، وأجازه أبو حيان. وأَمّا ابن عطية وابن الجوزي والقرطبي فيذهبون إلى أنه مصدر من بَلَغَ، وليس اسم المصدر من بلّغ، والراجح أنه اسم مصدر من (بَلَغَ) بمعنى التبليغ؛ لأن البلاغ يستلزم التبليغ.

(1) الكشاف: 1/ 682.

(2) المحرر الوجيز: 5/ 59 ـ 60.

(3) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 6/ 327.

(4) ينظر: زاد المسير، ابن الجوزي: 2/ 432.

(5) البحر المحيط: 4/ 26 ـ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت