2 ـ العدول عن التخريب إلى الخراب:
ورد اسم المصدر (خراب) في قوله - سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} (سورة البقرة /114) إنَّ
(خ ر ب) "أَصْلٌ يدل على التثلم والتثقب والخراب ضد العمارة، يُقصد فيه الفساد والافساد" [1] ، وهو غالبًا ما يَقْترن بتخريب الُبنيان وهدمه، والملاحظ هو العدول في الصيغة عن التخريب إلى الخراب، أي العدول عن المصدر إلى اسم المصدر، ولابد من نكتة دلالية ترشح من خلال تأمل السياق، قال الزمخشري:"الخراب يكون بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان" [2] . ويظهر أنه جعل دلالة الخراب مقصورة على انقطاع الذكر، في حين جعل دلالة التخريب مقصورة على دلالة نقض البنيان، وترجيح الدلالة الثانية متأتٍ مما ذُكِر في أنّ يهود"أعانوا بخت نصر على تخريب بيت المقدس حين قتلت بنو اسرائيل يحيى بن زكريا - عليه السلام -" [3] . وعلى هذا يكون السعي في تخريب المسجد إمّا حقيقيًا وذلك بالهدم والنقض، كالتخريب الذي حدث مرتين، أولاهما في زمن بخت نصر، وثانيهما على يد الرومان بعد ولادة المسيح (- عليه السلام -) على أيدي الرومان الذين غزوا بني اسرائيل فقتلوا وسبوا وحرّقوا التوراة، وإمّا أن يكون مجازًا لمنع المصلين والمتعبدين من دخوله، وقد يراد به تخريب المسجد الحرام حين منع المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين من دخوله [4] . قال الرازي:"ليس لأحد أن يقول: كيف يَصِحّ أن يتأوّل على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب؛ والجواب"أن منع الناس من إقامة شعائر العبادة فيه يكون تخريبًا له، وقيل: إنّ أبا بكر - رضي الله عنه - كان له موضع صلاة فخرّبته قُريش لمّا هاجر" [5] ، ولذلك قال القرطبي:"على الجملة تعطيل المساجد عن الصلاة، وإظهار شعائر الإسلام فيها خرابٌ لها" [6] . وهذا هو الراجح لأن المقصود من تخريبها بالهدم وغيره تعطيلها عن ذكر الله، إذ إن"العمارة: إحياء المكان وإشغاله بما وضع له" [7] ."
(1) مقاييس اللغة: 2/ 174.
(2) الكشاف: 1/ 179.
(3) المحرر الوجيز، ابن عطية: 1/ 454.
(4) ينظر: التفسير الكبير: 4/ 11؛ والجامع لأحكام القرآن: 2/ 77.
(5) التفسير الكبير: 4/ 11.
(6) الجامع لأحكام القرآن: 2/ 77.
(7) نظم الدرر: 2/ 119.