ويرجح أن المفتون هنا يراد به المصدر (الفُتون) أي الجنون، وعندئذِ يكون الإعراب أن الجار والمجرور (بأيكم) خبر مقدم، و (المفتون) مبتدأ مؤخر. ويؤيد هذا الوجه قولهم ما لفلان مجلود ولا معقول، أي عَقْلٌ وجلادة، وقول الراعي النميري أيضًا:
حتى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحمًا ولا لفؤاده معقولًا
أي عقلًا [1] ، وقد رجّح الطبري هذا المعنى أي بأيّكم الجنون [2] . ورجّحه النحاس أيضًا، قال:"المفتون بمعنى الفتنة والفتون، كما يقال ليس له معقول ولا معقود رأي [3] ، وإلى مثل ذلك ذهب ابن عطية قال:"المفتون بمعنى الفتنة، كما قالوا ما له معقول، وكما قالوا: (أقبل ميسوره، ودع معسوره) فالمعنى بأيّكم الفتنة والفساد الذي سمّوه جنونًا" [4] ."
وتجدر الإشارة إلى سبب مجيء لفظ (المفتون) للدلالة على الجنون، إذ أن المفتون: أسم مفعول مشتق من الفتنة للدلالة على الذي أصابته الجِنّ، فيقولون: فَتَنَتْهُ الجِنّ، ويمكن أن يصدق على المضطرب في أمره، المفتون في عقله حيرة وتقلقلًا، وإيثار لفظ المفتون دون لفظ المجنون من الكلام الموجه، أو التورية ليصح على الطرفين [5] .
فالأرجح إذن أن يُحمل على معنى العدول بأن"يكون (المفتون) مصدرًا على وزن مفعول مثل المعقول بمعنى العقل والمجلود بمعنى الجَلَد، والميسور لليُسر والمعسور لِضدّه. وفي المثل (خذ من ميسوره، ودع معسوره) " [6] ، ومجيء (المفتون) معدولًا عن الفتنة للدلالة على أنَّ المراد الذات التي تلبّست حقيقة بالفُتُون فَحَاد عن الحق وضلَّ عنه، إذ ليس المقصود بيان الحدث حسب، فالفُتون موجود بدعوى الكافرين أنفسهم، ولكنَّ المطلوب تمييز الذات المتلبسة بالفتنة أي صاحب الفتنة.
2 ـ العدول عن الكَذِب إلى المكذوب:
(1) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: 18/ 229؛ وينظر: شعر الراعي النميري: ص 61.
(2) ينظر: جامع البيان: 29/ 14.
(3) إعراب القرآن: 3/ 482.
(4) المحرر الوجيز: 15/ 30.
(5) ينظر: التحرير والتنوير: 29/ 66.
(6) أساس البلاغة، الزمخشري: ص 419؛ التحرير والتنوير: 29/ 67.