فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 181

قال تعالى: {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} (سورة هود / 65) ، قال الطبري:"هذا الأَجل الذي أجلتكم وَعْد من الله، وعهدكم بانقضائه الهلاك، ونزول العذاب غير مكذوب: بقول لم يكذُبْكم مَنْ اعلمكم ذلك" [1] . ومكذوب جاء على وزن مفعول للدلالة على الحدث وهو معنى المصدر؛ قال البغوي (ت 516 هـ) :"أي: غير كَذِب، ورُوي أنه قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون في الأول ووجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي الثالث مسودة، فكان كما قال: فأَتاهم العذاب في اليوم الرابع" [2] . وقد ذكر الزمخشري في (مكذوب) ثلاثة تأويلات أولها: أنَّه على الاتساع في الظرف بحذف الحرف، فيكون المعنى: غير مكذوب فيه، وثانيها: أنه على المجاز كأنّه قيل للوَعْد: نَفِي بك، فإذا وُفي به فقد صدق ولم يكذب، وثالثها: على أنه معدول عن المصدر كالمجلود والمعقول فيكون المعنى: غير كذب [3] . والمصدر قد يرد بلفظ المفعول على نحو المجلود والمعقول [4] .

والذي دعا المفسرين إلى تأويل الآية على الاتساع هو وصف الوَعْد بأنّه مكذوب في حين أنّ وصف المكذوب في الحقيقة للإنسان، لأنه يُقال: كَذَب َ زَيْدٌ عَمْرًا في مقالته، فزيد كاذب، وعمرو مكذوب، والمقالة مكذوب فيها، ولكنه حذف الجار فصار المجرور مفعولًا على التوسع فأَقيم الفاعل مقامه، ولكن الذي يترجح مجيء لفظ

(مكذوب) معدولًا به عن المصدر (كَذِبٌ) ، على نحو المجلود والمعقول والمنشور والمغبون [5] . والتعبير عن معنى المصدر وهو الحدث بصيغة المفعول للدلالة على المبالغة في وصف هذا (الوعد) الوارد في الآية بأَنّه غير مكذوب، فهو واقع حتمًا وقطعًا، إذ هو وَعْد من نبيّ الله صالح - عليه السلام - لقومه بعد أن عقروا الناقة، قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ - فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ}

(سورة هود /64 ـ 65) . قال ابن عاشور:"المكذوب الذي يُخْبِرُ به الكاذب، يقال: كَذَبَ الخبرَ، إذا اختلقه" [6] . وعلى هذا لا يكون هنا عدول، ولكن الأرجح الرأي الأول لأن الوعد غير الخبر.

(1) جامع البيان: 12/ 77.

(2) تفسير البغوي: 2/ 177.

(3) ينظر: الكشاف: 2/ 408؛ وفتح البيان: 6/ 207.

(4) ينظر: التفسير الكبير: 18/ 17؛ الجامع لأحكام القرآن: 9/ 41.

(5) ينظر: حاشية الجمل: 2/ 409.

(6) التحرير والتنوير: 12/ 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت