فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 181

للمفعول وليس للفاعل على طريقة قولهم: جَدّ جِدَّه، وكذلك الأَلم في الحقيقة للمؤلم كما أنّ الجِدّ للجادّ [1] . على اعتبار أنه مجاز في التركيب"للمبالغة فيكون محولًا من فعل لها ونسبته إلى العذاب مجازٌ لأنّ العذاب لا يألَمُ إنّما يأْلَمُ صاحبه فصار نظير قولهم شعر شاعر والشعر لايشعر انما الشاعر ناظمه" [2] . والراجح أنه مجاز في الإفراد"فأليم فعيل من الألمِ بمعنى مُفْعِل كالسميع بمعنى المسمع" [3] ، فيكون (أليم) صفة مشبهة يَدلّ على المبالغة لشدة عذاب الله للمنافقين في الآخرة فضلًا عن كونه لازمًا، ومعنى (أَليم) شديد الألم وهو الوجع اللازم الذي يخلص إلى قلوبهم [4] . ودلالة العدول عن اسم الفاعل (مُؤلِم) إلى الصفة المشبهة (أَليم) هي إثبات كون الأَلم دائمًا، وكأن الوجع فيه صفة لازمة له لا تغيّر فيها ولا تبديل.

وأما ما قيل عن كون (أليم) بمعنى مفعول على طريق المجاز العقلي لأَنَّ المؤلَم هو المعذّب دون العذاب كما قالوا: جدّ جدّه فهو مرجوح، وكذلك كون فعيل بمعنى فاعل من أَلِم بمعنى صار ذا ألم [5] ، على أساس اشتقاق (أَليم) من (أَلِمَ) اللازم إذ شرط اشتقاق الصفة المشبهة أن تشتق من اللازم، قال ابن مالك [6] :

وَصَوْغُهَا مِنْ لازِمٍ لِحَاضِرِ ... كَطَاهِرِ القَلْبِ جَمِيل الظَّاهِرِ

واشتقاقها من (أَلِمَ) اللازم لا يمنع كونها بمعنى مُفْعِل وليس بفاعل، لأَنَّ المراد دلالة اسم الفاعل وهي (الحدوث) المعدول عنها إلى دلالة (الثبوت) الخاصة بالصفة المشبهة.

وأما ما قيل أنّه لم يثبت عن العرب (أليم) بمعنى مؤلم، وإنّما قيس على نظيرها نحو السميع والوجيع بمعنى المسمع والموجع كقول عمرو بن معد يكرب:

وخيل قد دَلَفْتُ لها بِخَيْلٍ ... تَحيةُ بينهم ضَرْبٌ وجيعُ [7]

فهو مردود بقول ذي الرمة الذي استشهد به أبو عبيدة:

ونرفعُ في صدور شَمَرْ دَلاتٍ ... يَصُكّ وُجوهها وَهَجٌ أَليمُ

أي: مُؤْلِم.

(1) ينظر: الكشاف: 1/ 60؛ وتفسير أبي السعود: 1/ 42.

(2) البحر المحيط: 1/ 59.

(3) البحر المحيط: 1/ 53.

(4) ينظر: نظم الدرر: 1/ 109؛ وفتح البيان: 1/ 92.

(5) ينظر: التحرير والتنوير: 1/ 182.

(6) شرح ابن عقيل: 2/ 141.

(7) ينظر: التحرير والتنوير: 1/ 182؛ وينظر: خزانة الأدب: 9/ 264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت