أوتوا بشكر الله حتى سلبهم الله تعالى ذلك, فنقصهم بحبس المطر عنهم، وتسليط الجدب عليهم, فكانوا يكرون بمكة الظل ويبيعون الماء, فأخرجهم الله تعالى من مكة بالذر سلطه عليهم حتى خرجوا من الحرم فكانوا حوله, ثم ساقهم الله بالجدب يضع الغيث أمامهم ويسوقهم بالجدب حتى ألحقهم الله تعالى بمساقط رءوس آبائهم وكانوا قومًا عربًا من حمير, فلما دخلوا بلاد اليمن تفرقوا وهلكوا, فأبدل الله تعالى الحرم بعدهم بجرهم, فكانوا سكانه حتى بغوا فيه واستخفوا بحقه, فأهلكهم الله عز وجل جميعًا.
حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي قال: حدثنا سعيد بن سالم, عن عثمان بن ساج, عن الكلبي عن أبي صالح قال: لما طالت ولاية جرهم استحلوا من الحرم أمورًا عظاما ونالوا ما لم يكونوا ينالون واستخفوا بحرمة الحرم وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها سرا وعلانية, وكلما عدا سفيه منهم على منكر وجد من أشرافهم من يمنعه ويدفع عنه, وظلموا من دخلها من غير أهلها حتى دخل رجل منهم بامرأته الكعبة فيقال: فجر بها أو قبلها فمسخا حجرين, فرق أمرهم فيها وضعفوا وتنازعوا أمرهم بينهم واختلفوا, وكانوا قبل ذلك من أعز حي في العرب, وأكثرهم رجالًا وأموالًا وسلاحًا وأعز عزة.
فلما رأى ذلك رجل منهم يقال له: مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو, قام فيهم خطيبًا فوعظهم وقال: يا قوم, أبقوا على أنفسكم وراقبوا الله في حرمه وأمنه, فقد رأيتم وسمعتم من هلك من صدر هذه الأمم قبلكم, قوم هود وقوم صالح وشعيب, فلا تفعلوا وتواصلوا, وتواصوا