فهرس الكتاب
] وسكوتٍ وإنكار): أي مع إقرارِ المدَّعى عليه، أو سكوتِه، أو إنكاره، وعند الشَّافِعِيِّ (1) - رضي الله عنه - لا يصحُّ إلا في صورةِ الإقرار[ (2)
(1) ينظر: (( أسنى المطالب ) )، و (( حواشيه ) )للرملي (2: 215) .
(2) قوله: وعند الشافعي لا يصح إلا في صورة الإقرار؛ فلا يجوز الصلح مع إنكار أو سكوت؛ لما تقدَّم من الحديثِ المذكور، فإنّ الصلحَ مع إنكار أو سكوتٍ بهذه الصفة؛ لأنَّ بدلَ الصلحِ كان حلالًا على الدافع، حرامًا على الآخذ؛ لكونِ المدَّعى عليه منكرًا، وعدمُ ثبوتِ حقِّ المدَّعي بالبيِّنة، فينقلب الأمر، ويكون حرامًا على الدَّافعِ وحلالًا على الآخذ، أو نقول: إنَّ المدَّعي إن كان محقًّا كان أخذُ المدّعى حلالًا قبل الدَّفع، وحرم عليه بالصلح، وإن كان مبطلًا كان أخذ المال على الدعوى الباطلة حرامًا عليه قبل الصلح، وحلّ له الصلح، فصار صلحًا أحلَّ حرامًا، وحرَّم حلالًا؛ ولأنّ المدّعي عليه يدفع المالِ لقطعِ الخصومة عن نفسه، وهذا رشوة، وهي حرام، فإذا كان هذا التمليكُ رشوة، كان التملُّكُ قبول الرشوة، إذ لا يملكُ إلا من جهةِ التي ملك.
والجواب عن الاستدلالِ الأوّل: إنَّ المرادَ ليس ما ذكرَه، فإنّ ذلك موجودٌ في الصلحِ مع الإقرارِ أيضًا؛ لأنّ الصلحَ يقعُ عادةً على ما دون حقِّه فجازَ أو على المأخوذِ إلى تمامِ حقِّه كان حلالًا للمدَّعي أخذه قبل الصلح، وحرّم عليه بالصلح، وكان حرامًا على المدَّعى عليه منعه قبل الصلح، وحلَّ له بعده، ولو كان المرادُ هذا المعنى لما صحَّ مطلقًا، بل البيعُ أيضًا يكون حرامًا على هذا الاعتبار، فإنّ كلّ واحدٍ من المتبايعين ماله كان حلالًا له قبل البيع، ويحرم عليه بالبيع، وكذا سائرُ العقودِ المشروعة، فهذا يؤدّي إلى تحريم أسبابِ الملكِ بأسرها.
بل المراد أن يستباحَ بالصلحِ ما ليسَ بمباحٍ شرعًا، أو يحرم بالصلحِ ما ليس بحرامٍ شرعًا، وذلك مثل أن يصالح على الخمر والخنْزير أو يصالح إحدى الفرعين على أن لا يطأ الأخرى، وهذا المراد ظاهر، فإنّ لفظَ الحلالِ والحرامِ ذكر مطلقًا، فينصرفُ إلى الكامل، وهو ما هو حلالٌ لعينه، وحرامٌ لعينه.
وعن الاستدلال الثاني: إنّ المدَّعي يأخذُ عوضًا عن حقِّه في زعمِه، وهو مشروع، والمدَّعى عليه يدفعه لدفع الخصومةِ عن نفسه، وهو أيضا مشروع؛ لأنّ المال خُلِقَ لصيانةِ الأنفس عن المهالك والمفاسد، ودفعُ الضررِ أمر جائزٌ، وإن سلَّمنا أنّه رشوةٌ فهي جائزةٌ للدَّافعِ لدفعِ الظلم عن نفسه، وما جاء فيه من الذمّ من قولِهِ - صلى الله عليه وسلم: (( لَعَنَ اللهُ الراشي والمرتشي ) )، يراد به: إذا كان هو الظالمُ فيدفعها إلى بعض الظلمةِ من ولاة الأمور، ويستعين به على الظلم بالرشوة، وأما لدفعِ الظلمِ عن نفسِهِ فلا مشاحة فيه، ونقل أبو اللَّيث - رضي الله عنه - عن أبى يوسفَ - رضي الله عنه - جواز المصالحة للأوصياءِ في أموال اليتامى، وبه يفتي، كما ذكره الشُّمُنِيُّ [في (( كمال الدراية ) ) (ق604) ، وغيره، وقال في (( المحيط ) ): لو رشى لدفعِ خوفه على نفسه أو ماله، أو خوفا على نسائه، أو أعطى ماله لشاعرٍ لا بأس به. انتهى.