فهرس الكتاب
كتابُ الصُّلْح [ (1) ]
(هو عقدٌ يَرْفَعُ النِّزَاعَ صحَّ مع إقرارٍ[(2)
(1) قوله: كتاب الصلح؛ لمَّا فرغَ المصنِّف - رضي الله عنه - عن بيانِ أحكامِ الإقرارِ شرعَ فيما يتسَّببُ عن الخصومةِ المترتِّبة على إنكارِ المقرِّ إقرارَه، وهو الصلح، فتناسبَ الصلحُ والإقرار بواسطتين، وهذه مناسبة خفية، أما وجه المناسبة الظاهرةِ فهو أنَّ الصلحَ قد يكون عن إقرار، أو يقال: إن كلًا منهما يحصل به قطع المنازعة.
والصلح: اسمٌ من المصالحة، وهو خلافُ المخاصمة، وأصله من الصلاح، وهو استقامةُ الحال، وفي الشرع ما فسَّره المصنِّف - رضي الله عنه - بقوله: هو عقدٌ يرفعُ النِّزاع.
وركنُهُ: الإيجابُ مطلقًا، والقبولُ لا مطلقًا، بل فيما يتعيَّن؛ لأنّه ليس من الإسقاط، حتى يتمَّ المسقطُ وحده؛ لعدمِ جريانِهِ في الأعيان، وأمّا فيما لا يتعيَّن كالدَّراهمِ والدنانيرِ فيتمّ بلا قبولٍ من المطلوب إذا بدأ هو بطلبه بأن ادّعى شخصٌ على شخصٍ دراهم، فطلبَ المدَّعي بعده الصلح على نصفها، فقال المدَّعي: صالحتك على ذلك، فلا يشترطُ قبولُ المدَّعى عليه؛ لأنَّ ذلك إسقاطٌ من المدّعي، وهو يتمُّ بالمسقطِ وحده، وهذا إنّما يظهرُ في صورةِ الإقرار.
وشرطه: العقل، كما هو شرطٌ في جميعِ العقود والتصرُّفاتِ الشرعيّة، فلا يصلحُ صلحُ مجنون وصبيٍّ لا يعقل، لا البلوغ والحرية فصحَّ من صبيٍّ مأذون إن عرى صلحه عن ضررٍ بيّن، ومن عبد مأذون، ومكاتب لو فيه نفع، وكونُ المصالح عليه معلومًا إن كان يحتاجُ إلى قبضِه، وكون المصالح عنه حقًّا يجوزُ الاعتياض عنه، ولو كان غير مال كالقصاص والتعزيزِ معلومًا كان المصالحُ عنه، أو مجهولًا فلا يصحّ الاعتياض عنه كحقّ شفعة، ومثل ذلك لم يصلح، لو كان المصالح غير مال لا يجوز.
وحكمه: وقوع البراءة عن دعوى المدعي. ينظر: [ (( المنح ) ) (ق2: 191/ب) ] .
(2) قوله: صحّ مع اقرار… الخ؛ اعلم أنَّ الصلحَ على ثلاثة أنواع:
الأوّل: مع إقرار.
والثاني مع سكوت.
والثالث مع إنكار؛ لأنّ الخصمَ وقت الدعوى إمّا أن يسكت أو يتكلَّم مجيبًا، وهو لا يخلو عن النفي والإثبات فلقولنا مجيبًا لا يرد أنَّ الخصمَ قد يتكلَّم بما لا يتّصل بمحلّ النِّزاع، وكلٌّ من هذه الأقسام الثلاثة جائز؛ لقوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْر} [النساء: 128] ، فلفظُ الصلحِ هاهنا معرَّفٌ باللام، فيقتضي أن يكون كلُّ صلحٍ خيرًا، وكلُّ خيرٍ مشروعٌ، فكلُّ صلحٍ مشروع، وهذه الآية وإن نزلَت في صلحِ الزوجين، لكن العبرةَ لعمومِ اللفظ لا لخصوص السبب، وأيضًا خرجَ هذا القول مخرجَ التعليل، والعلَّة لا تتقيّد بمحلّ الحكم، فكان عامًّا.
لا يقال: إنّ صرفَه إلى الكلِّ متعذِّر، فإنَّ الصلحَ بعد اليمين، وصلح المودع، وصلح مَن ادَّعى على امرأةٍ نكاحًا فأنكرت لا يجوز، فلا جرم أن يصرفَ إلى الأولى وهو الصلحُ عن إقرار؛ لأنّا نقول: إنَّ تركَ العملِ بالاطلاقِ في بعض المواضعِ بمانعٍ لا يستلزمُ تركَه عند عدمِ المانع، ولما أخرجه أبو داود من حديث أبى هريرةَ - رضي الله عنه - إنّه قال - صلى الله عليه وسلم: (( كلُّ صلحٍ جائز فيما بين المسلمين، إلاَّ صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّمَ حلالًا ) ). [ينظر: (( المنح ) ) (2: 192/أ) ] .