فهرس الكتاب
وخياطتهِ، وحملِ قدرٍ معلومٍ على دابَّةٍ مسافةً علمت، وبالإشارةِ [ (1) ] كنقلِ هذا إلى ثمَّة.
[باب الأجر متى يستحق]
ولا تجبُ الأجرةُ بالعقد [ (2) ] )، خلافًا للشَّافعي (3) [ (4) ] - رضي الله عنه -، فإنَّ الأجرةَ[ (5)
(1) قوله: وبالإشارة… الخ؛ يعني ويعلم النفعُ أيضًا بالإشارةِ كنقلِ هذا الطعام مثلًا إلى موضعٍ فلانيّ؛ لأنّه إذا علم المنقولَ والمكان المنقول إليه صارت المنفعةُ معلومة، وهذا النوعُ قريب من النوع الأوّل.
(2) قوله: ولا يجبُ الأجرة بالعقد: أي لا تملك سواء كانت عينًا أو دينًا. كذا ذكر محمّد - رضي الله عنه - في (( الجامع ) )، وذكر في (الإجارات) : إن كانت عينًا لا تملك بالعقد، وإن كانت دينًا تملك به، ويكون بمنْزلةِ الدَّين المؤجّل، وعامّةُ المشايخِ على ما في (( الجامع ) ). كذا في (( كمال الدراية ) ) (ق454) ، والمراد بالوجوبِ في قوله: لا يجب؛ نفس الوجوب لا وجوبَ الأداء فإنّه عقد معاوضة، فيعتبر فيه المساواة، ولم توجد في جانب المعقود عليه، لا نفس الوجوب، ولا وجوب الأداء، فكذلك في جانب العوض. كذا في (( الكفاية ) ) (8: 10) .
(3) ينظر: (( النكت ) ) (ص537) ، و
(4) قوله: خلافًا للشافعيّ - رضي الله عنه -؛ وفائدةُ الخلافِ أنّه عندنا يثبتُ للمؤجّر ولايةُ المطالبةِ بتسليمها في الحال، ولو كانت الأجرة عبدًا وهو قريبه، لا يعتقُ عليه في الحال، وعنده له ولايةُ المطالبةِ في الحال، ويعتقُ عليه في الحال. كذا في (( البناية ) ) (7: 883) .
(5) قوله: فإنَّ الأجرةَ… الخ؛ يعني فإنَّ الأجرةَ عنده تملّك بنفسِ العقد، ويجب تسليمها عند تسليمِ العينِ المستأجرة؛ لأنّها عقد معاوضة، فيثبتُ الملكُ في البدلين بنفسِ العقد، وهذا مبيَّنٌ على أصلِه أنَّ المنفعةَ المعدومةَ عنده جعلت موجودةً حكمًا؛ لأنَّ من شرط جواز العقد أن يكون المعقودُ عليه مقدورًا على تسليمه؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - (( نهى عن بيعِ ما ليس عند الإنسان ) ) [ (( جامع الترمذي ) ) (3: 534) ، و (( سنن أبي داود ) ) (3: 283) ، و (( سنن النسائي الكبرى ) ) (4: 34) ، وغيرهم] ، ورخَّص في السَّلَم، والشارعُ جعلَ المعدوم حقيقةً موجودًا حكمًا، كما جعلَ النطفةُ في الرحمِ كالحيِّ في حقِّ الأحكامِ من الوصيَّةِ والإرث، وكذا يجعلُ الموجودُ حقيقةً كالمعدومِ حكمًا، كما يجعلُ المرتدّ الملتحقُ بدار الحرب ميِّتًا في في حقِّ الأحكامِ كالإرثِ وعتقِ أمّهات أولاده، والدليل على أنّه كالموجود جوازُ الاستئجار بالدّين، ولو كان معدومًا لما جاز؛ لأنّه يصير دينًا بدين، وهو حرامٌ شرعًا.
ولنا: إنّ هذا عقدُ معاوضةٍ فيقتضي المساواة بينهما، وذلك بتقابل البدلين في الملك والتَّسليم وأحد البدلين وهو المنفعة، لم تصر مملوكة بنفس العقد؛ لاستحالةِ ثبوتِ الملك فكذا في البدلِ الآخر، ولو ملكَ الأجرةَ لملكها بغير بدل، وهو ليس من قضيّة المعاوضة، فتأخُّر الملك فيه ضرورة، وجوازُ العقد ليس باعتبارِ أنَّ المعدومَ جعلَ موجودًا حكمًا، وكيف يقال ذلك والموجودُ من المنفعةِ لا يقبلُ العقد؛ لأنّه عرضٌ لا يبقى زمانين، فلا يتصوَّر فيه التسليم، فلا يكون محلًا للعقد.
بل باعتبارِ أنَّ العينَ التي هي سببُ وجودِ المنفعةِ أقيمت مقامَ المنفعةِ في حقِّ صحَّةِ الإيجاب والقبول، وفي حقِّ وجوبِ التسليم، إذ العينُ هي التي يمكنُ تسليمهما دون العرض، فإنعقدَ في حقِّها في الحال فوجبَ عليه تسليمها، وصار العقدُ مضافًا غير منعقدٌ للحالِ في حقِّ المنفعة؛ لأنَّ أقصى ما يتصوَّر العقد على المنفعة أن يكون العقد مضافًا إلى وقت حدوثها، فينعقد العقدُ في كلِّ جزءٍ من المنفعةِ على حسب وجودها شيئًا فشيئًا، وهو معنى قولنا: إنَّ عقد الإجارة في حكم عقودٍ متفرِّقة يتجدّد انعقادها على حسب حدوث المنافع.
وإنّما قامت العينُ مقامَ المنفعةِ تصحيحًا للعقد في حقِّ الانعقاد، والتسليم ضرورة عدم تصورهما في المنفعة، ولا ضرورةَ في حقِّ الملكِ في البدل إذما يثبتُ للضرورةِ يثبتُ بقدرها، فلا يظهر في حقِّ ملكِ البدل، كما لا يظهرُ في حقِّ ملك المنفعة، فكذا العقدُ مضافًا إلى وقت حدوثها، غير منعقد للحال في حقِّهما، وهذا أولى من الذي ذهبَ إليه الشافعيّ - رضي الله عنه - فإنّ فيه قلب الحقائق، وهو جعل المعدوم موجودًا، وما ذهبنا إليه ليس فيه إلاَّ إقامةُ السبب وهو العينُ مقامَ المسبّب وهي المنفعة في حقِّ بعضِ الأحكام، وهذا القدرُ من التغيير معهودٌ في الشرع، ألا ترى أنَّ الشارع أقام السفرَ مقام المشقة؛ لأنّه سببها، وأقام البلوغَ مقام اعتدالِ العقل، حتى علَّقَ التكليف به؛ لأنّه سببه، وقس على هذا.
وإنّما جاز الاستئجار بالدَّين لأنَّ العقدَ لم ينعقد في حقِّ المنفعة، فلم تصرْ المنفعةُ دينًا في ذمَّته فلا يجبُ بدلها أيضًا، وعند انعقادِ العقد فيها وهو زمانُ حدوثِها تصيرُ هي مقبوضةً، فلا يكون دينًا بدينٍ أصلًا، ولو كان العقدُ منعقدًا لما جازت الإجارةُ بالدَّين المؤجّل أصلًا، كما لا يجوز السَّلَم، ولو جازَ أن يجعلَ المعدومَ كالمستوفى لجازَ ذلك في السَّلَم أيضًا، كما إذا باعَ العينَ بالدَّين، فإذا استوفى المنفعةَ ثبتَ الملكُ في الإجارة، لتحقّق المساواةِ التي اقتضاها العقد، فصحَّ بخلافِ الإجارةِ المضافةِ إلى وقت بشرط تعجيلِ الأجرة، حيث يكون الشرط باطلًا، ولا يلزمُهُ للحالِ شيء؛ لأنّ امتناعَ وجوبِ الأجرة ليس بمقتضى العقد، بل بالتصريحُ بالإضافةِ إلى وقتٍ في المستقبل، والمضافُ إلى وقتٍ لا يكون موجودًا قبل ذلك الوقت، فلا يتغيَّرُ هذا المعنى بالشرط.
وفيما نحنُ فيه إنّما يجب لاقتضاءِ العقدِ للمساواة، وليس بمضافٍ صريحًا، فبطل ذلك المعنى بالتصريح على خلافه، ألا ترى أنَّ الثمنَ في المبيع يجبُ في الحال، ولا يجب تسليم المبيع حتى يُسَلِّمَ الثمن؛ لأنَّ العقدَ يقتضي المساواة، ثمّ إذا كان الثمنُ مؤجّلًا يجبُ تسليمُه في الحال؛ لأنّه تأخّر بالقصدِ صريحًا، وما قال الشافعيَّ - رضي الله عنه - من أنَّ الشارع جعلَ المعدومَ حقيقة موجودا حكمًا… الخ، فجوابُه أنّه مُسَلَّم، لكنَّ البحث هاهنا فيما يمكن تقديرُ وجوده حقيقة؛ لأنَّ الشيءَ إنّما يُقَدَّرُ حكمًا إذا كان يمكن تصويرُهُ حقيقة، كما في المستشهد به، فإنّ الحيَّ يتصوَّرُ موتُه، وكذا بالعكس، وأمّا المنافع فلا تقبلُ العقد أصلًا كما لا يخفى، ذكره الزَّيْلَعِيُّ [في (( التبيين ) ) (5: 107-108) ] ، وغيره.