فهرس الكتاب
] أن يكونَ المرادُ بقوله: ما تلفَ بعملِهِ عملًا جاوزَ فيه القدرَ المعتادَ على ما يأتي في الحجَّام، أو عملًا لا يعتادُ فيه المقدار (1) المعلوم.
(ولا يضمنُ به آدميًا غَرِق ...(2) ، أو سقطَ من دابّة [ (3) ] (4) ): أي آدميًا غَرِقَ بسببِ مدِّ السَّفينة، أو سقطَ من الدَّابةِ بسببِ شدِّ المكارى؛ لأنَّ الآدميَّ [ (5) ] غيرُ مضمونٍ بالعقد، بل بالجناية، وضمانُ العقودِ لا يتحمَّلُهُ (6) العاقلة، (ولاحجَّام، أو بزّاغ(7) [ (8)
(1) في أ: لمقدار.
(2) في ف زيادة: مدِّ السفينة.
(3) قوله: أو سقطَ من دابّة؛ قيل: إنَّما عدمُ الضمان حال السقوط إذا كان هو ممّن يستمسكُ على الدابّةِ ويركبُ وحده، وإلا فهو كالمتاع، والصحيحُ أنّه لا فرق، وكذا رواه ابن سماعة - رضي الله عنه - عن أبي يوسف - رضي الله عنه - في الوضع. كذا ذكره التُّمُرْتَاشِيُّ - رضي الله عنه -، ولا يقال: إنّ ضمان بني آدم يجب بالتسبيب، وقد وجد؛ لأنَّ المسبِّب إنّما يضمن إذا تعدّى، وكلامنا فيما إذا لم يوجد التعدّي. كذا في (( الكفاية ) ) (8: 66-67) .
(4) في ص: الدابة. وفي ق: دابته.
(5) قوله: لأنّ الآدميّ… الخ؛ أي لأنَّ الآدميّ لا يجبُ ضمانُهُ بالعقد، بل يجب بالجناية، وما يجب بها يجب على العاقلة، والعاقلةُ لا تتحملُ ضمان العقود؛ لأنَّ العاقلةَ إنّما يدفعون الدِّيَةَ باعتبار تركِ الحفظ، ولا يجبُ عليهم الحفظُ من العقود، فإذا كان كذلك لا تتحمّل ضمان العقود، وهذا ليس بجناية؛ لكونه مأذونًا فيه.
(6) في ب: يحمله.
(7) بزَّاغ: أي بيطار، هو خاص بالبهائم. ينظر: (( رد المحتار ) ) (5: 43) .
(8) قوله: ولا حجّام أو بزّاغ… الخ؛ أي ولا يضمنُ حجَّام أو بزَّاغ أو فصَّاد لم يجاوز المعتاد؛ لأنّه التزمَه بالعقد فصار واجبًا عليه، والفعلُ الواجب لا يجامعه الضمان، كما إذا حدَّ القاضي أو غزَّر ومات المضروب بذلك، إلا إذا كان يمكنُهُ التحرُّزُ عنه كدقِّ الثوب ونحوه ممّا ذكرنا من قبل؛ لأنَّ قوَّة الثوبِ ورقّته يعرفُ به ما يتحمّله من الدقّ بالاجتهاد، فأمكنَ تقييده بالسليم منه.
بخلافِ الفصدِ ونحوه، فإنّه يبتنى على قوّة الطبائع وضعفها، ولا يعرفُ ذلك بنفسه، ولا ما يتحمّله من الجرح، فلا يمكنُ تقييده بالسليم، وهو غير الساري، فسقطَ اعتبارُهُ إلا إذا جاوزَ المعتادَ فيضمنُ الزائدَ كلّه إذا لم يهلك، وإن هلكَ يضمنُ نصفَ ديةِ النفس؛ لأنّها تلفت بمأذونٍ فيه، وغيرُ مأذونٍ فيه فيضمنُ بحسابه، وهو النصف، حتى أنّ الختَّانَ لو قطعَ الحشفةَ وبرأ المقطوع تجبُ عليه ديةُ كاملة؛ لأنَّ الزائدَ هو الحشفة، وهو عضوٌ كامل، فيجبُ عليه الديةُ كاملة، وإن ماتَ وجبَ عليه نصفُ الديةِ لما ذكرنا، وهي من أندرِ المسائلِ وأغربها، حيث تجبُ الأكثرِ بالبراء، وبالهلاكِ أقلّ. كذا في (( التبيين ) ) (5: 137) .
فإن قيل: هذا مخالفٌ لجميع مسائل الديات، فإنّه كلّما ازدادَ أثرُ جنايتها نقصَ ضمانه.
أجيب: بأنّ محمّدًا - رضي الله عنه - قال في (( النوادر ) ): وإنّه لمّا برئ كان عليه ضمانُ الحشفة، وهي عضوٌ مقصودٌ لا ثاني له في النفس، فيتقدَّر بدلُهُ ببدل النفسِ كما في قطع اللِّسان، وأمّا إذا ماتَ فقد حصلَ تلفُ النفسِ بفعلين، أحدُهما مأذونٌ فيه وهو قطع الجلدة، والآخرُ غيرُ مأذونٍ فيه وهو قطعُ الحشفة، فكان ضامنًا نصفَ بدلِ النفس.
فإن قيل: التنصيفُ في البدلِ يعتمد التساوي في السبب، وقد انتفى؛ لأنَّ قطعَ الحشفة أشدّ إفضاءً إلى التلف من قطع الجلدةِ لا محالة، فكان كقطعِ اليد مع حزّ الرقبة.
أجيبَ: بأنّ كلَّ واحدٍ يحتملُ أن يقعَ إتلافًا وأن لا يقع، والتفاوتُ غيرُ مضبوط، بخلاف الحزِّ فإنّه لا يحتمل أن لا يقع إتلافًا. كذا في (( العناية ) ) (8: 67-68) .