وتحقيقُهُ: إن الرِّضاءَ في مقابلةِ الكراهة، والاختيارُ في مقابلةِ الجبر، ففي الإكراه بالحبسِ والضرب لا شكَّ أنَّ الكراهةَ موجودة، فالرِّضاءُ معدوم، لكن الاختيار متحقِّقٌ مع وصفِ الصحَّة، فإنَّ الاختيار إنِّما يفسدُ في مقابلةِ تلفِ النَّفس أو العضو، فإنَّ كلَّ أمرٍ فيه هلاكُ أحدِهما فالامتناعُ عنه مجبولٌ في طبيعةِ جميعِ الحيوانات.
ألا تَرَى أنَّ القوةَ الماسكةَ، كيف تمسكُ الإنسان، بل جميعُ الحيواناتِ عن الهوى [ (1) ] من (2) المكان العالي، ومن الإلقاء في النَّار عند مظنَّةِ التَّلَف، فالامتناعُ عنه وإن كان اختياريًا، فهو اختيارٌ صورةٍ (3) قريبٌ من الجبر، فكذا في الإكراه عند خوفِ تَلَفِ النفس أو العضو اختيارُ الامتناع عمَّا فيه مظنَّةُ الهلاكِ اختيارٌ فاسد؛ لأنَّ الإنسانَ عليه مجبورٌ من حيث أنَّ الطَّبعَ عليه مجبول، ومع ذلك الأهليةُ باقيةٌ في المُلْجئ، وغير المُلْجئ (4) [ (5) ] لتحقُّق العقل والبلوغ.
(وشرطُهُ:
قدرةُ المُكْرِهِ[ (6)
(1) قوله: عن الهوى؛ وهو بفتح الهاء وسكون الواو، مصدر هوى يهوى، كرمى يرمي، هويًا؛ أي سقطَ إلى السفل. كذا في (( حاشية الجلبي ) ) (ص536) .
(2) في أ و ص: عن.
(3) في ب: ضروري.
(4) أي المضطّر وغير المضطّر، والمرادُ بالأوّل هو النوع الثاني من الإكراه، وعن الثاني هو الأوّل منه. ينظر: (( ذخيرة العقبى ) ) (ص536) .
(5) قوله: في الملجئ وغير الملجئ؛ أي المضطّر وغير المضطّر، والمرادُ بالأوّل هو النوع الثاني من الإكراه، وعن الثاني هو الأوّل منه. كذا في (( حاشية الجلبي ) ) (ص536) .
(6) قوله: وشرطُهُ قدرةُ المكره؛ هذا شروعٌ لتعدادِ الأوصافِ الأربعةِ التي اعتبرت شرائط لتحقّق الإكراه:
الأوّل: صفةُ المكرِه بالكسر، وهي القدرة.
والثاني: صفة المكرَه بالفتح، وهي خوفه.
والثالث: صفة المكرَه به، وهي كونه متلفًا أو نحوه.
والرابع: صفةُ الفعلِ الذي يكرَه عليه، وهي كونه من الأفعالِ التي يمتنعُ عنها المكرَه قبل الإكراه. كذا في (( حاشية الجلبي ) ) (ص536) .