فهرس الكتاب
3-وكما ذكرنا كان أتباع بولس في موقف حرج عند انتقاء الذرائع التى ارتكنوا إليها مباشرة بعد قسطنطين لممارسة التعذيب ضد مخالفى العقيدة .
وإنه ليريعك أن تقرأ كيف عذب المسيحيون مخالفى العقيدة بعد زمن قسطنطين مباشرة، وسوف يريعك أكثر إذا ما عرفت كيفية قيامهم بهذا .
4-ومع كل ذلك فإن هناك الكثير من الإهتمامات الإنسانية المهمة التى تؤخذ لصالح البولسية وتساندها من كل جانب ، منها:
أ- إن أحسن الضمانات لمثل هذا التطور الخارجى لدين جديد وتخريبه من الداخل ونشره وتثبيت دعائمه هو مباركة الدولة نفسها له. إن دينا مثل المسيحية الحقة التى ترفض استخدام القوة أو كان بينها وبين الدولة علاقة متوترة داخليا - لأنها كانت ترى أن القتال الوحشى من أجل المصالح الدنيوية التى كانت الدولة تظهره دون تخف، يناقض الأخلاق الروحية والتسامح.
أقول إن دينا مثل المسيحية الحقة سوف لا يجد أية تأييد من رجال السلطة في الدولة. فلم تقرر الدولة إلا صياغة مثل دين بولس الذى شعر أنه يتمتع"برحمة الله ، وطلب من المؤمنين به الطاعة العمياء مهما كلفهم ذلك من أمر."
لذلك تمتعت البولسية دائما بحماية الدولة لها. فهو في الحقيقة الدين الذى يتمناه كل حاكم للحفاظ على سلطته (ونادرًا ما يحدث عكس ذلك) لأنه دين لا يعلم الناس فقط التمسك بأسباب القوة تحت زعم"إرادة الله"ولكنه يحثهم أيضًا على الدفاع عنه بالنفس والنفيس (طلبا لرحمة الله) .
فلم يقدم بولس دين فقط للحكام بل خدمهم به خدمة كبيرة من خلال التعصب الذى أفرزه والذى أوجد أيضًا الأسباب المؤدية إليه.
وفى الحقيقة فإن أية دينا يشوبه التعصب ليعد سلاح ذو حدين في يد الدولة، ويمكنه أن يكون خطرًا عليها (مثلما كانت المسيحية تجاه الدولة الرومانية، لذلك اضطرتها إلى اضطهادهم) .
أما إذا عرفت الدولة كيفية قيادة هذا التعصب الدينى، فسيصبح هذا هو الأمثل في أعين حاكمها، لأنه سيمكنه حينئذ من تدعيم قوته، الأمر الذى يؤكده التاريخ الملئ بمثل تلك الأحداث.
ب- كان بولس منذ ظهوره لاهوتيا، بينما كان عيسى في صراع مرير مع اللاهوتيين وكبار رجال الدين. وكما يصوره - على سبيل المثال - شو Show فقد كان"دائما ضد الإكليروس" (راجع: تطلعات المسيحية:"Die Aussichten des Christentums"صفحة 134) .
لذلك يطلق على بولس أول لاهوتى مسيحى. ويعنى هذا أنه أول نظرىً لما يطلق عليها الديانة المسيحية.