الأطلس اللغوي (*)
للدكتور خليل محمود عساكر
خبير بلجنة اللهجات
... الأطلس اللغوي من أحدث وسائل البحث في علم اللغات وفقهها، وله وظيفة ذات أثر بالغ في الدراسات اللغوية في العصر الحديث وتلك هي تسجيل الواقع اللغوي للغات واللهجات على خرائط يجمعها آخر الأمر أطلس لغوي عام، وتختص كل خريطة بكلمة فتسجل عليها الاختلافات الممكنة للكلمة الواحدة، سواء أكانت هذه الاختلافات صوتية أي خاصة بأصوات اللفظ وحركاته ونبره وطريقة النطق به، أم كانت صرفية تتناول صيغة اللفظ وبنيته. كما تسجل على الخريطة المترادفات الواردة للمعنى الواحد الذي قد يعبر عنه بلفظ خاص يختلف باختلاف القرى والمدن والأقاليم . فإذا تمت خرائط على هذا النحو في قطر من الأقطار أو إقليم من الأقاليم وكانت كل خريطة تحتوي على خمسمائة جهة مثلًا ما بين قرية وبلدة ومدينة، اتضح آخر الأمر مدى انتشار هذه المترادفات وتلك الأصوات والصيغ المختلفة للفظ الواحد، وأصبح ممكنًا تقسيم القطر أو الإقليم على هذا الأساس إلى مناطق لغوية متميز بعضها عن بعض، كما يمكن معرفة ما عسى أن يكون فيه مما يسمونه"الجزر اللغوية".
... ويعتبر الأطلس اللغوي نوعًا من العرض الجغرافي للغة ممثلة في لهجاتها المختلفة، ولا شك في أن التشابه الذي يوجد بين عدة بلاد أو عدة مناطق في طريقة حديثها، وفي ألفاظها وتعبيراتها، لم يأت عفوًا ولكنه يشير إلى ماض مشترك، وإلى مراحل تاريخية واحدة مرت على هذه البلاد المتشابهة لغة وتعبيرًا.
... وتسجيل اللهجات العربية الحديثة تسجيلًا جغرافيًّا على خرائط يعين إلى حد كبير على دراسة هذه اللهجات في ذاتها أولًا، وعلى دراسة اللغة العربية ثانيًا، ويعين
ــــــــــــــ
(*) مؤتمر الدورة الخامسة عشرة، الجلسة الحادية عشرة، سنة 1949، و نشر البحث في مجلة المجمع الجزء السابع، ص 379 ـ 384 .