الصفحة 906 من 1433

اللهجة العربية العامية (*)

للأستاذ عيسى إسكندر المعلوف

عضو المجمع

1-تمهيد:

لا خفاء أن الطوارئ الطبيعية تغير هيئة الأرض؛ فالسيول النابئة تجرف التراب إلى البحار، بعد أن تخر منها مرافض الأودية، تاركة وراءها أخاديد ومذابح، فتنقلب الأودية سهولًا ، وهكذا النيران في باطن الأرض تحول السهول جبالًا، فتنفجر البراكين، وتحدث الزلازل، ولا يزال هذا العمل، بل لن يزال فاعلًا في قشرتها، وزائدًا في تضاريسها، وقاضيًا على أديمها أن يتغير من حال إلى حال، بتوالي الزمان.

فترى الصخور في وضعها إما مستوية أو منحرفة على أشكال غريبة، تمثل لك تأثير الفواعل المذكورة، وتلاعبها بها تلاعب الولد بالكرة، وترى المغاور والنخاريب والكهوف بعيدة القعر أو قريبته، وتجد المركبات منضدة إما على هيئة رِعان أو تلال، أو جبال شامخة، وإما على استواء كالسهول الفيحاء، وإما على شكل أحواض، إلى غير ذلك مما يستوقف نظر"الجيولوجي"أي العالم بطبقات الأرض، باحثًا عن تلك الأسباب والأدوار، التي كرت بفواعلها هذه، فأثرت ذلك التأثير، وهو ببحوثه كأنه يطالع كتابًا، أو يمحص موضوعًا، فيحكم عليه برأي سديد، ويرد كل معلول إلى علته، منتقدًا مدققًا، ليجلو الحقيقة، ويكشف النقاب عن الغوامض.

وهكذا الحال في اللغات، فإن عوامل الألسن والأقلام، والتغلب والضعف، تلعب بها لعب مجارى الهواء بالريشة، ومخالطة الأعاجم تفعل فيها أفعالًا عجيبة، بين حذف وزيادة، وقلب وإبدال، ونحت، وتصحيف وتحريف، وتغيير وتبديل، وما شاكل ، فتحل محلها الرطانة الأعجمية، والطمطمانية العامية، حتى تكاد تذهب بالأصل أحيانًا.

ــــــــــــــــ

(*) مجلة المجمع - الجزء الأول ص 350 - 368 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت