الصفحة 907 من 1433

فترى لذلك لغة العامة بعيدة عن الأم الفصحى بمراحل، حتى يصعب أحيانًا على علماء الاشتقاق ( الفيلولوجيين ) ردّ ألفاظها إلى نصابها، أو طلبها من مظانها، أو معرفة مصادرها وآفاتها، كما جرى لليونانية الحديثة في انسلاخها عن القديمة: لغة (أوميروس) شيخ الشعراء وغيره من أدبائهم، والإنكليزية في بعدها عن السكسونية القديمة، والطليانية عن اللاتينية، وسريانية سورية عن الآرامية القديمة.

وربما أماتت تلك التقلبات اللغات، فضعف شأنها، حتى طمست آثارها أو كادت، مثلما جرى لبعض اللغات المائتة الآن، أو التي هي على شفا جرف هار، كل هذا يستوقف العالم بالاشتقاق، فيجيل نظره في البحث والتنقير ، بمجهر"ميكرسكوب"التحقيق، مقلبًا الكلمات ظهرًا لبطن، وسابرًا غور ذلك التأثير، وما ترك وراءه في اللغة من التغير والانقلاب، مراقبًا ومعالجًا رد كل فرع إلى أصله، فيبسط أمامك من تلك المباحث عجائب، ويريك بمرقب"تلسكوب"الاجتهاد ما خفي عنك، وندَّ عن فهمك، فتهتدي إلى الصواب، ولا سيما في لغتنا العربية العامية.

... 2- اللغة العربية العامية:

اختلفت آراء العلماء في هذا العصر في اللهجة العامية، ( فمنهم ) من ذهب إلى وجوب ردّها إلى حضن أمها، مثل الأستاذ (هكسلي) العلامة الإنكليزي الشهير، الذي خطأ القائلين بوجوب كتابة العلم بلغة عامة الإنكليز، مدعيًا أن ذلك يفضي إلى إضعاف المواهب العلمية، فضلًا عن خسارة ملكة الإنشاء الفصحى؛ لأن ترقية عقول العامة لفهم لغة العلم العالية أسهل وأفضل من أن يتزيا العلم بأزياء لغة العامة، فيتقهقر. وجاراه في ذلك كثير من علماء الاشتقاق على اختلاف لغاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت