فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 79

? وقد رجح الشيخ سليمان بن عبد الله النجدي أنه لا يلزم أن تكون الطائفة المنصورة بالشام دائمًا، وكان من أدلته في ذلك انقطاع الجهاد منذ زمن في تلك البلاد، حيث قال عن أهل الشام (وأيضًا فهم منذ أزمان لا يقاتلون أحدًا من أهل الكفر، وإنما بأسهم وقتالهم بينهم، وعلى هذا فقوله في الحديث: هم ببيت المقدس، وقول معاذ هم بالشام المراد أنهم يكونون في بعض الأزمان دون بعض وكذلك الواقع فدل على ما ذكرنا) [1] .

والمقصود أنه لا تزال في الأمة فئة مقاتلة على الحق وإنْ قلَّت إلى أن يأتي أمر الله المذكور في الحديث.

فقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة .."و"لن يبرح"يُفيد استمرار وجود هذه الطائفة التي تقاتل في سبيل الله على مدار الزمن وإلى قيام الساعة، لا يوقف جهادها طارئ غياب الخليفة كما في زماننا.

والطائفة التي تجاهد في سبيل الله - والوارد ذكرها في الأحاديث الآنفة الذكر، يبدأ عددها - لغة وشرعًا - من واحد إلى ما فوق، كما قال تعالى: {إن نعف عن طائفةٍ منكم نُعذب طائفةً بأنهم كانوا مجرمين} المائدة:66.

قال القرطبي في التفسير: قيل كانوا ثلاثة نفر؛ هزئ اثنان وضحك واحد، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم ا-هـ.

وقال تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تُكَلَّفُ إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى اللهُ أن يكفَّ بأس الذين كفروا والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا} النساء:84.

من هذه الآية وغيرها استنبط أهل العلم أن الجهاد يمكن أن ينهض به شخص واحد من المسلمين .. وأن تنكُّبَ الأمة عن الجهاد في سبيل الله لا يجوز أن يثني هذا الفرد عن النهوض والمضي في طريق الجهاد.

? قال القرطبي في التفسير 5/ 293: قال الزجاج: أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده؛ لأنه قد ضمن له النصرة. قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجئ في خبر قط أن القتال فُرض عليه دون الأمة مدة ما؛ فالمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وهو مثال ما يقال لكل واحدٍ في خاصة نفسه؛ أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك القول له {فقاتل في سبيل الله لا تُكلف إلا نفسك} ، ولهذا ينبغي لكل مؤمن أن يجاهد ولو وحده [2] ؛ ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"والله لأقاتلنهم حتى تنفرد"

(1) - تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (ص:381) .

(2) - الجهاد سواء مضى بفرد أو أكثر لا بد من مراعاة نتائجه وما يؤول إليه من مصالح ومفاسد، فإن رجحت المصالح على المفاسد مضى الجهاد ـ على بركة الله ـ ولو بفردٍ واحد، ولا يلتفت حينها إلى أراجيف المبطلين والمرجفين، وإن رجحت مفاسده على مصالحه، فحينها لا بد من الصبر والتريث والتربص، إلى حين أن تزول المفاسد والعوائق من الطريق؛ فالجهاد شُرع لغيره لا لذاته .. والمفاسد والمصالح يجب أن تقدر وفق ضوابط الشرع ومعاييره وليس غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت