وما يؤكد أن مظهر الكفر كافر إلا أن يكون مكرهًا قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، فهذه الآية صريحة الدلالة بأن الذين يظهرون الكفر يكفرون إلا أن يكونوا مكرهين على الكفر وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، وهذا بلا شك ينص على الكفر الظاهر دون الباطن، أي من أظهر الكفر ويكون حال إظهاره للكفر مكرهًا عليه مبغضاَ في الباطن له فهذا ليس بكافر.
وأما من أظهر الكفر غير مكره فهذا من شرح بالكفر صدرًا فيحكم بكفره، وإظهار الكفر لا يكون باللسان فحسب بل يكون بالعمل كذلك، ودليل على أن المقصود بالكفر كفر الظاهر أن الآية نزلت كما نقل أهل التفسير بحق عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، إذ أظهر الكفر لقومه بسبب ما لقي من الأذى وكان قلبه مطمئنًا بالإيمان.
ثالثًا:
قد سبق القول بأن الحكم بغير ما أنزل الله سبحانه كفر، وثمة قضية ثانية، وهي التفريق بين ترك الحكم واستبداله، فإنه من استبدل الحكم بما أنزل الله سبحانه بقوانين وضعية يكون قد نصب نفسه شريكًا لله سبحانه إذ التشريع يختص الله به قال تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ، فليس الحكم إلا لله وقد قرن الله سبحانه بين الحكم والعبادة، أي من يتحاكم إلى غير شرع الله سبحانه يكون عابدًا لما يتحاكم إليه، إذ العبادة هي التذلل والخضوع، وهذا لا يكون إلا لله سبحانه، لذا جعل الله سبحانه الحكم بغير ما شرع طاغوتًا إذ قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} ، والواجب على أهل الإيمان هو الكفر بالطاغوت قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} ، وفي الآية التي قبلها قال سبحانه: {وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} .
ومع هذه الآيات لنا وقفات:
1)أن الكفر بالطاغوت من شرط الإيمان، ويوضح ذلك تقديم الله سبحانه للكفر بالطاغوت على الإيمان به إذ قال: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ} . فالكفر بالطاغوت نتيجة الإيمان بالله سبحانه، إذ لا يكون الكفر بالطاغوت، إلا من خلال الإيمان بالله.