وقد جاء بسند جيد عن زياد بن حدير قال: قال لي عمرُ بنُ الخطَّاب هل تعرف ما يَهدِم الإسلامَ قلت لا قال: (يَهْدِمُه زلَّةُ العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المُضلِّين) [1] .
ولِشِدَّة أثَر زلَّةِ العالم على الإسلام تصدَّى لها علماءُ الحقِّ بالرَّد , فقرَّر الشَّاطبي (أن زلة العالم لا يصحُّ اعتمادُها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له , وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدَّت زلّة، وإلا فلو كانت معتدًّا بها لم يجعل لها هذه الرُّتْبَة، ولا نُسِب إلى صاحبها الزَّلَل فيها) [2] ، وليس هذا في مُحْتَطِبٍ بلَيْل لم يتعلَّق مِن العلم بذَيْل , وإنَّما هو في الإمام المُتَصَدِّر الذي لم يُعْهَد منه الخطأ, فكيف بِمَن عُهِد منه الزَّلَلُ, وعُرِفَ عنه الخَلَل؟
إنَّ نُصُوصَ الكتاب والسُّنَّة حافلةٌ بما يَدْعُو إلى تكريم العلماء , ورَفْع منزلتهم , كما تُحذِّر أشدَّ التَّحذير من إهانتهم أو التَّنقيص من شأنهم , ذلك لأنهم هم الهداة القادة , والمصلحون الذائدون عن حياض الدِّين وحرمات الأمَّة , ولا يَغيبُ عنا قولُ ابن جَماعة: (واعلم يا أخي وفَّقَنا الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تُقاتِه: أنَّ لُحُومَ العُلمَاء ـ رحمةُ الله عليهم ـ مسمومة، وعادة الله في هتك أستار مُنتَقِصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براءٌ أمره عظيم، والتَّناول لأعراضهم بالزُّور والافتراء مرتَعٌ وَخيم , والاختلاف على من اختارَه الله منهم لِنَشْر العلم خلق ذميم) [3] .
إلا أنَّ الشَّرعَ القَويمَ بيَّنَ بجَلاءٍ صفاتِ العُلماء المستَحقِّين لهذا الفضل والحائزين لتلك المكانة.
إنَّنا لا نرجو أن يُصْبِحَ شبابُ الْفَيْسْ بُوكْ وائتلاف 25 فبراير رَغْمَ ما يُؤْخَذ عليهم مِن مآخذَ أكثرَ بذلًا وتَضْحيةً , وأشدَّ اهتماما بهُمُوم المُجتَمَع وأَحْرَصَ على التَّغيير , فقد رفضوا الظُّلم والجوْر , وطالبوا برَدِّ الحُقوق , حين لم يَتَظاهر العلماء , ولم يَصْدُرْ منهم أيُّ احتجاج , لا من رابطة العلماء , ولا من رابطة الأئمة , ولا من معهد الدِّراسات , ولا من مركز العُلماء , ولا من غيرها , رغم انتشار الفساد , وتَحتُّم الإصلاح.
إنَّ دورَ العُلماء أعظم دور , ومسؤوليتهم أكبرُ مسؤولية , وإنَّ من أكبر مسؤولياتهم أن يبيِّنوا للحكام والشُّعوب وُجُوبَ إقامة الدِّين , حتَّى تبقى جَذْوَةُ المطالبة بتحكيم الشَّريعَةِ حيَّةً في القُلُوب , وحتَّى تبْقَى مُعارضتُهم لما يخالفها راسخةً رُسوخَ الجبال.
(1) (سنن الدَّارمي 214) .
(2) (الموافقات 4/ 170) .
(3) (تبيين كذب المفتري 1/ 29) .