وتتأكَّد هذه المسؤولية اليوم لِانتِقَاض عُروة من عُرَى الإسلام , ألا وهي الحكم بالشَّريعة , فعن أبي أمامة الباهليِّ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: (لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإسلام عروة عروة , فكلَّما انتَقَضَت عروة تشبَّث الناسُ بالتي تليها , فأوَّلُّهُنَّ نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة) [1] .
إن الفكرَ السِّياسي العلْماني يَنظُرُ إلى التَّغيير من خارج دائرة الدِّين , أمَّا الشَّريعة الإسلامية فلا تنظر إلى التَّغيير مُنفَصِلًا عن وسائله ونتائجه , وإنما تدعو إلى التغيير بالوسائل المشروعة ومن أجل الأهداف المشروعة فقد قال سبحانه: [فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] [2] .
وعن أُمِّ سلمة أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حَرَّم عليكم) [3] . وقال ابن مسعود (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم) [4] .
فعَلِمْنا أنَّ إقامةَ المُجتمع وبناءَهُ مستقيما لا أَمْتَ فيه ولا عِوَجَ , وعلاجه من الأمراض كلِّها يجب أن يكون وِفْقًا للشَّريعة , فليس في غيرها علاج لمشاكله ولا إقامة لدعائم إصلاحه.
لقد دعت الشُّعوب الأوربية في ثورتها على نظام الكنيسة والإقطاع إلى إقصاء الدين عن الدولة من أجل الازدهار وبناء الحضارة , لأن الكنيسة حَرَّفت الدِّين , ورسَّخت الاستبداد , وَوَقَفَت في طريق العلم والعقل والحرية والإصلاح , واليوم نجد كثيرا من علماء الدين يسير على خُطى رجال الكنيسة , وذلك من جهة سَيرهم في رَكْب السَّلاطين , وانتظامهم في سلك الحُكَّام , فلم تَعُد الشعوب تَثِق فيهم ولا في علمهم , فكانُوا سببًا في عدم صياغة الثَّورات صياغة إسلامية.
إن العلماءَ بمواقفهم , لا بمُجَرَّد معارفهم , وبالحقِّ يَرْتَقِي الأصاغرُ المنابر , إذا لم يَقُم به العلماءُ الأكابر , قال الشَّيخ أحمد شاكر رحمه الله: (وقد أُتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق , لا يَصْدَعون بما يؤمرون , يُجاملون في دينهم وفي الحق , لا يُجاملون الملوك والحكَّام فقط , بل يُجاملون كل من طلبوا منه نفعًا أو خافوا منه ضُرًا في الحقير والجليل من أمر الدنيا , وكلُّ أمر الدنيا حقير , فكان من ضَعف المسلمين بضعف علمائهم ما نَرَى) [5] .
(1) (أخرجه أحمد(22214) ، وابن حبان (6715) ، والطَّبرانى (7486) ، والحاكم (7022) ، وقال: صحيح. والبيهقي في شعب الإيمان (5277) . وأخرجه أيضًا: الطبراني في مسند الشاميين (1602 ) ) .
(2) (هود 112) .
(3) (البيهقي 20171 ابن حبان 1391 الطبراني الكبير 749) .
(4) (البخاري 5/ 2129) .
(5) (مقدمة المسند، ج 1، ص 98 هامش) .