إنَّ علماءَ الحقِّ يَضْرِبُون أَرْوَعَ الأَمْثلَةِ في الثَّبات على المبادئ والتَّضْحية لِبُلُوغ الغايات , وما أحسَنَ ذلك المَوْقف الَّذي ذَكَر الذَّهبيُّ في قصَّة الأوزاعيِّ مع عبد الله بن علي , ثم علَّق عليها قائلا: (قد كان عبدُ الله بن علي ملكا جبَّارا سفَّاكًا للدِّماء صَعْبَ المِرَاس , ومع هذا فالإمامُ الأَوْزَاعي يصدَعُه بمُرِّ الحق كما ترى , لا كخلْق من عُلماءِ السُّوء الَّذين يُحَسِّنُونَ للأُمراء ما يَقْتَحِمون من الظُّلم والعسف , ويَقْلِبُون لهم الباطل حقًّا ـ قاتلهم الله ـ أو يَسكُتون مع القدرة على بيان الحق) [1] .
لعلَّ من المُلْفِت للنَّظر عند الكثيرين أن الثَّورات الَّتي انطلقت لم تستأذن العلماء , مِمَّا جَعَل مُساندةَ القليل منهم لها بعد انطلاقها مجرَّدَ تطفُّل , ولا نُجانب الصَّواب إذا قُلنا إنها لم تكن بعيدةً من الثَّورة الفرنسية في تمرُّدها على رجال الكنيسة , وذلك لأنها خرجت على نُظُم شارك كثيرٌ مِن علماءُ الدِّين في صناعة طُغيانها.
ولأن الصِّدقَ نَباهَةٌ والكذب عاهة , فيَجب الاعتراف أنَّ بلدَنا لم يَزَل غارقا في الأزمات بسبب النُّظُم المتعاقبة التي لم تُحْدِث في الدِّين ولا الدُّنيا إصلاحًا يَرُدُّ حُقُوقَ المُستَضعَفِين أو يُضَمِّد جِراحَ المَظلومين , فالفقر والحرمان , والمرض والبطالة , والنَّهب والفساد , وإهدار الطَّاقات , وهَضْم الحقوق , كل ذلك أَثارَ بَراكين الأوجاع وهيَّج نقعَ الأحزان , في أرض لها هويتُها الإسلامية المشرقة , وأخرجت لأهلها الثَّروات والخيرات.
يجب عليكم أيُّها العلماء أن تقوموا في سبيل الله لإعلاء شرعه, وتنتصروا للمستضعفين من الرِّجال والنِّساء والولدان , وإذا لم تَقُوموا قبل أن تتمكَّن الثَّوراتُ فسَتلْقَوْن ما لَقِيَت الكنيسة ولابُد , وليس هذا ثناءً على الثَّورات الَّتي أَلْحقها البعضُ بالجهاد , وفي ذلك عَوَار , إذ هو قياس فاسد الوضع والاعتبار, ألْحَقَ الفرْعَ بغَيْر أَصْلِه , وخالف النَّصَّ في مَحَلِّه , فالجهاد لإقامة الدِّين وليس ذلك شأن الثَّورات , رغم أن فيها مزيةً , حيث سقط طغاةٌ مستبدُّون , وكُسِّرت قيودٌ طالما شلَّت أَيْدِي الإصلاح وألجمَتْ أفْواهَ الحَقِّ , وكشفت عن وجه آخر للعُلماء.
لقد رأيتُ عامَّة أولئك العلماء يعتذرون بعدم القدرة , وليس هذا عُذرًا إِذْ ليسُوا مكَلَّفين بغير المقدور عليه , ولا أُريد اسْتِفْزازَهُم ليَتلَاشى علمُهُم , ولا التغليظَ عليهم ليُنقَضَ حِلْمُهُم , وإنَّما أذكُر الدَّليل ولا غرابة , فرُبَّما صَوَّحَتْ السَّحُوق وأثْمَرَت الفَسِيلة , وأعيَتْ المسألةُ الحكيمَ وفرَّجتها سُخَيْلة.
لقد قال عمرو بنُ عَبَسَة السُّلَمِيُّ: (كُنْتُ وَأَنَا فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلاَلَةٍ وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِى فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ مَا أَنْتَ قَالَ «أَنَا نَبِىٌّ» . فَقُلْتُ وَمَا نَبِىٌّ قَالَ «أَرْسَلَنِى اللَّهُ» . فَقُلْتُ وَبِأَىِّ شَىْءٍ أَرْسَلَكَ قَالَ «أَرْسَلَنِى بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوْثَانِ وَأَنْ
(1) (سير أعلام النُّبَلاء 7/ 125) .