يُوَحَّدَ اللَّهُ لاَ يُشْرَكُ بِهِ شَىْءٌ». قُلْتُ لَهُ فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا قَالَ «حُرٌّ وَعَبْدٌ» . قَالَ وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلاَلٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. فَقُلْتُ إِنِّى مُتَّبِعُكَ. قَالَ «إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا أَلاَ تَرَى حَالِى وَحَالَ النَّاسِ .... ) [1] .
فنَجِدُ هنا اهتمامَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المبكِّر بإزالة معالم الجاهلية رغم استضعافه وقلَّة حِيلتِه وعدم قدرته على ذلك , لكنَّه يُبَيِّن الحكم , فمن رَبَطَ البيان بالقدرة على التَّطبيق , فهو كمن يَخْلِط بين التَّصوُّر والتَّصديق, وليس ذلك شأنَ أَهل التَّحقيق.
لقد اطَّلعتُ على بحث بعنوان (الأدلة الشَّافية) أصدَرَتْه رابطةُ العُلَماء الموريتانيين جاءَ في خَاتِمَته أنَّه يُمكنُ القولُ (إنَّ الجمهورية الإسلامية الموريتانية تَتَحَقَّقُ فيها كلُّ مُمَيِّزات الدَّولة الإسلامية الَّتِي تَوَافَق عليها العلماء منذ عهد الصَّحابة والتَّابعين) [2] ، فانظر إلى قولهم (كل مميزات الدولة الإسلامية ... ) ولم يقولوا (بعض مميزات) ولا قالوا (إسلامية رغم غياب مميِّزات ندعوا إلى تحقيقها) وإنما وصفُوها بالصِّفة الشَّرعية الكاملة رغم تعطيل الحُدود وغياب مفهوم حِراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا بالدِّين , وإنَّ نصَّ الدُّستور على أن الإسلامَ هو المصدرُ الوحيد للتَّشريع هو كما تَنُصُّ الدَّساتير في الدِّكتاتوريات على أَنَّها تَحْكُم بالدِّيمقراطية , إذ العبرةُ بالمعمول به لا بالمنصوص عليه في الدَّساتير , ومجرَّدُ الاسم لا يُغْني من الحَقِّ شيْئا , وأعظم ما تَتَمَيَّز به دولة الإسلام تطبيق حُدودِه والحكم بشريعته , أمَّا بناء المساجد وإقامة الشَّعائر وانتشارُ المسلمين فموجودٌ في بلاد الكفر وقد كَثُرت الهجرة إليها.
إنه جديرٌ بالعلماء أن يتذكَّرُوا أنَّ البَاطِلَ لا يَرْفعُه علمُ قائلِه , وأنَّ الحقَّ لا يضَعُه جهْلُ مُناوِلِه , لأنَّ العبرةَ بالدَّلائل , لا بقول الأئمة الأماثل , ومَن عَرَف الحقَّ بالرجال تاهَ في مسالك الضَّلال.
أين ذلك المَسْعَى من تُراثِ العُلَمَاء الشَّناقِطَة الَّذين كَتَبُوا كُتُبًا نفيسةً في وُجوب تحكيم الشَّريعة , ونَبْذِ القَوَانِين الوَضْعِيَّة , منهم العلاَّمة (آبَّ ولد اخْطُورْ) محمَّد الأمين ولد محمَّد المختار الجَكَني في مواضع من تفسيره , والعلاَّمة المختار ولد ابْلُولْ الحاجي في جُملةٍ من فتاويه , والإمام بُدَّاه ولد البُصَيري التَّندَغِيُّ في تأليفه"الكتائب الشرعية في صدِّ هُجوم القوانين الوضعية", والشَّيخ عبد الوَدُود بن محمَّد عبد الله التَّنواجيوي في"كاشف الإلْبَاس عن حُكم المكَّاس", وغيرهم ممَّن كتَبَ كتابات بُدُور التَّحقيق عليها لائحَة , ورَوَائحُ التدقيق منها فائحة.
إنَّ البُعْدَ عن الحُكم بالشَّريعة الإسلامية والإعراض عن تطبيق حدودها هو الذي جرَّ إلى الأُمَّة ما هي عليه اليوم من الوَهَن والذُّلِّ والضَّعف والاستِكانة, حتَّى صارت فريسةً سهلةً لأعدائها بعد أن كان المسلمون سادة الدُّنيا , أذْعَن لهم القياصرةُ والأكاسرة , وملكُوا مشارقَ الأرض ومغاربَها , وملَئُوها عدلًا وسلامًا بإقامتهم للدِّين , فلمَّا عطَّلوا
(1) (مسلم 832) .
(2) (الأدلَّة الشَّافية في الرَّدِّ على الشُّبَه الواهية ص 153) .