فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 274

ومثلها مسألة الجهاد والشعائر الظاهرة والواجبات والحقوق الشرعية هل هي مرتبطة بإذن الإمام أم لا؟ ثم إذا عطلها أو تلاعب بها هل يلزم إذنه أم لا؟.

ثم بعد ذكره لهذه الأمثلة عقب بقاعدة فقال:(فهذه الأمور الكلية ليس لحاكم من الحكام كائنا من كان ولو كان من الصحابة أن يحكم فيها بقوله على من نازعه في قوله فيقول ألزمته أن لا يفعل ولا يفتي إلا بالقول الذي يوافق لمذهبي، بل الحكم في هذه المسائل لله ورسوله - وتنبه لهذا القيد - والحاكم واحد من المسلمين فإن كان عنده علم تكلم بما عنده وإذا كان عند منازعه علم تكلم به فإن ظهر الحق في ذلك وعرف حكم الله ورسوله وجب على الجميع اتباع حكم الله ورسوله وإن خفي ذلك أقر كل واحد على قوله , أقر قائل هذا القول على مذهبه وقائل هذا القول على مذهبه ولم يكن لأحدهما أن يمنع الآخر إلا بلسان العلم والحجة والبيان فيقول ما عنده من العلم.

وأما باليد والقهر فليس له أن يحكم إلا في"القضية"المعينة التي يتحاكم فيها إليه مثل ميت مات وقد تنازع ورثته في قسم تركته فيقسمها بينهم إذا تحاكموا إليه وإذا حكم هنا بأحد قولي العلماء ألزم الخصم بحكمه ولم يكن له أن يقول أنا لا أرضى حتى يحكم بالقول الآخر وكذا إذا تحاكم إليه اثنان في دعوى يدعيها أحدهما فَصَل بينهما كما أمر الله ورسوله وألزم المحكوم عليه بما حكم به وليس له أن يقول أنت حكمت علي بالقول الذي لا أختاره).

ثم قال رحمه الله: (وقد يقول كثير من علماء المسلمين أهل العلم والدين من الصحابة والتابعين وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم أقوالا باجتهادهم فهذا يسوغ القول بها ولا يجب على كل مسلم أن يلتزم إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

ثم قال: (وليس المراد بالشرع اللازم لجميع الخلق حكم الحاكم ولو كان الحاكم أفضل أهل زمانه بل حكم الحاكم العالم العادل يلزم قوما معينين تحاكموا إليه في قضية معينة لا يلزم جميع الخلق ولا يجب على عالم من علماء المسلمين أن يقلد حاكما لا في قليل ولا في كثير إذا كان قد عرف ما أمر الله به ورسوله بل لا يجب على آحاد العامة تقليد الحاكم في شيء بل له أن يستفتي من يجوز له استفتاؤه وإن لم يكن حاكما ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله كان مرتدا كافرا يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة قال تعالى {المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين , اتبعوا ماأنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقا لعذاب الله بل عليه أن يصبر وإن أوذي في الله فهذه سنة الله في الأنبياء وأتباعهم ثم ذكر آيات في ذلك) .

ثم قال: (وهذا إذا كان الحاكم قد حكم في مسألة اجتهادية قد تنازع فيها الصحابة والتابعون فحكم الحاكم بقول بعضهم وعند بعضهم سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخالف ما حكم به فعلى هذا أن يتبع ما علم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمر بذلك ويفتي به ويدعوا إليه ولا يقلد الحاكم هذا كله باتفاق المسلمين، وإن ترك المسلم عالما كان أو غير عالم ما علم من أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لقول غيره كان مستحقا للعذاب قال تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ) .

ثم قال: (فالشرع الذي يجب على كل مسلم أن يتبعه ويجب على ولاة الأمر نصره والجهاد عليه هو الكتاب والسنة وأما حكم الحاكم فذاك يقال له قضاء القاضي ليس هو الشرع الذي فرض الله على جميع الخلق طاعته بل القاضي العالم العادل يصيب تارة ويخطئ تارة ولو حكم الحاكم لشخص بخلاف الحق في الباطن لم يجز له أخذه ولو كان الحاكم سيد الأولين والآخرين كما في الصحيحين عن أم سلمة قالت؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له بنحو مما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار] فهذا سيد الحكام والأمراء والملوك يقول إذا حكمت لشخص بشيء يعلم أنه لا يستحقه فلا يأخذه وقد أجمع المسلمون على أن حكم الحاكم بالأملاك المرسلة لا ينفذ في الباطن) .

ثم قال: (وقد فرض الله على ولاة أمر المسلمين اتباع الشرع الذي هو الكتاب والسنة وإذا تنازع بعض المسلمين في شيء من مسائل الدين ولو كان المنازع من آحاد طلبة العلم لم يكن لولاة الأمور أن يلزموه باتباع حكم حاكم، بل عليهم أن يبينوا له الحق كما يبين الحق للجاهل المتعلم فإن تبين له الحق الذي بعث الله به رسوله وظهر وعانده بعد هذا استحق العقاب وأما من يقول إن الذي قلته هو قولي أو قول طائفة من العلماء المسلمين وقد قلته اجتهادا أو تقليدا - لا هوى وفقه تيسير - فهذا باتفاق المسلمين لا تجوز عقوبته ولو كان قد أخطأ خطأ مخالفا للكتاب والسنة ولو عوقب هذا لعوقب جميع المسلمين فإنه ما منهم من أحد إلا وله أقوال اجتهد فيها أو قلد فيها وهو مخطئ فيها فلو عاقب الله المخطئ لعاقب جميع الخلق بل قد قال الله تعالى في القرآن {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين} ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم [إن الله استجاب هذا الدعاء] , وقال النبي صلى الله عليه وسلم [إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه] ، فالمفتي والجندي والعامي إذا تكلموا بالشيء بحسب اجتهادهم اجتهادا أو تقليدا قاصدين لاتباع الرسول بمبلغ علمهم - لاهوى وفقه تيسير وعصرانية، لأن من صادف الحق هوى وشهوانية وعصرانية لا يكن مصيبا وإن وافق الحق، بل مخطئا ضالا، لأنه مثل من فسر القرآن هوى أوعصرانية لا يكن مصيبا وإن وافق الحق - لا يستحقون العقوبة بإجماع المسلمين وإن كانوا قد أخطئوا خطأ مجمعا عليه وإذا قالوا إنا قلنا الحق واحتجوا بالأدلة الشرعية لم يكن لأحد من الحكام أن يلزمهم بمجرد قوله ولا يحكم بأن الذي قاله هو الحق دون قولهم بل يحكم بينه وبينهم الكتاب والسنة، والحق الذي بعث الله به رسوله لا يغطى بل يظهر فإن ظهر رجع الجميع إليه وإن لم يظهر سكت هذا عن هذا وسكت هذا عن هذا كالمسائل التي تقع يتنازع فيها أهل المذاهب لا يقول أحد إنه يجب على صاحب مذهب أن يتبع مذهب غيره لكونه حاكما فإن هذا ينقلب فقد يصير الآخر حاكما فيحكم بأن قوله هو الصواب فهذا لا يمكن أن يكون كل واحد من القولين المتضادين يلزم جميع المسلمين اتباعه، وعلى ولاة الأمر أن يمنعوهم من التظالم فإذا تعد بعضهم على بعض منعوهم العدوان) .

ثم ضرب مثلا لذلك: (بأن الحكام قد ألزموا بمنع ظلم أهل الذمة وأن يكون اليهودي والنصراني في بلادهم إذا قام بالشروط المشروطة عليهم لا يُلزمه أحد بترك دينه مع العلم بأن دينه يوجب العذاب فكيف يسوغ لولاة الأمور أن يمكنوا طوائف المسلمين من اعتداء بعضهم على بعض وحكم بعضهم على بعض بقوله ومذهبه هذا مما يوجب تغير الدول وانتقاضها فإنه لا صلاح للعباد على مثل هذا، وهذا إذا كان الحكام قد حكموا في مسألة فيها اجتهاد ونزاع معروف فإذا كان القول الذي قد حكموا به لم يقل به أحد من أئمة المسلمين - كما هو مسلك الانهزاميين والعصرانيين في فقه التيسير - ولا هو مذهب أئمتهم الذين ينتسبون إليهم ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين ولا فيه آية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل قولهم يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأئمة فكيف يحل مع هذا أن يلزم علماء المسلمين باتباع هذا القول وينفذ فيه هذا الحكم المخالف للكتاب والسنة والإجماع وأن يقال القول الذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف لا يقال ولا يفتي به بل يعاقب يؤذى من أفتى به ومن تكلم به وغير ويؤذى المسلمون في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لكونهم اتبعوا ما علموه من دين الإسلام وإن كان قد خفي على غيرهم وهم يعذرون من خفي عليه ذلك ولا يلزمون باتباعهم ولا يعتدون عليه فكيف يعان من لا يعرف الحق بل يحكم بالجهل والظلم ويلزم من عرف ما عرفه من شريعة الرسول أن يترك ما علمه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأجل هذا لا ريب أن هذا أمر عظيم عند الله تعالى وعند ملائكته وأنبيائه وعباده والله لا يغفل عن مثل هذا وليس الحق في هذا لأحد من الخلق فإن الذين اتبعوا ما علموه من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يظلموا أحدا في دم ولا مال ولا عرض ولا لأحد عليهم دعوى بل هم قالوا نحن نتبع ما عرفناه من دين الإسلام وما جاء به الكتاب والسنة) .

إلى أن قال: (بل لو كان مخطأ مع اجتهاده لم يستحق العقوبة بإجماع المسلمين ولا يجب عليه إتباع حكم أحد بإجماع المسلمين وليس للحاكم أن يحكم بأن هذا أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا العمل طاعة أو قربة أو ليس بطاعة أو قربة ولا بأن السفر إلى المساجد والقبور وقبر النبي صلى الله عليه وسلم يشرع أو لا يشرع ليس للحاكم في هذا مدخل إلا كما يدخل فيه غيرهم من المسلمين بل الكلام في هذا لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمن كان عنده علم تكلم بما عنده من العلم وليس لأحد أن يحكم على عالم بإجماع المسلمين بل يبين له أنه قد أخطأ فإن بين له بالأدلة الشرعية التي يجب قبولها أنه قد أخطأ وظهر خطؤه للناس ولم يرجع بل أصر على إظهار ما يخالف الكتاب والسنة والدعاء إلى ذلك وجب أن يمنع من ذلك ويعاقب إن لم يمتنع وأما إذا لم يبين له ذلك بالأدلة الشرعية لم تجز عقوبته باتفاق المسلمين ولا منعه من ذلك القول ولا الحكم عليه بأنه لا يقوله إذا كان يقول أن هذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة كما قاله فلان وفلان من علماء المسلمين فهذا إذا أجتهد فأخطأ لم يحكم عليه إلا بالكتاب والسنة والمنازع له يتكلم بلا علم والحكم الذي حكم به لم يقله أحد من علماء المسلمين فعلماء المسلمين الكبار لو قالوا بمثل قول الحكام لم يكن لهم إلزام الناس بذلك إلا بحجة شرعية لا بمجرد حكمهم) .

ثم ضرب مثل آخر في ذلك، فقال: (وعمر بن الخطاب قد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فأن يكن في أمتي أحد فعمر وروى أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه وقال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ومع هذا فما كان يلزم أحدا بقوله ولا يحكم في الأمور العامة بل كان يشاور الصحابة ويراجع فتارة يقول قولا فترد عليه امرأة فيرجع إلى قولها وقال امرأة أصابت ورجل أخطأ) .

المثال الثاني من فعل عمر، قال فيه رحمه الله: (ففي مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض والطلاق يرى رأيا ويرى علي بن طالب رأيا ويرى عبد الله بن مسعود ويرى زيد بن ثابت رأيا فلم يلزم أحدا أن يأخذ بقوله بل كل منهم يفتي بقوله، وعمر رضي الله عنه إمام الأمة كلها وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد فكيف إذا كان ما قاله لم يقله أحد من أئمة المسلمين لا الأربعة ولا من قبلهم من الصحابة والتابعين) .

مثال آخر، وقال: (إن الله لم يرض بحكم واحد بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما فإنه لا يعلم أيهما الظالم وليس بينهما بينة بل أمر بحكمين وأن لا يكونا متهمين قال تعالى {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا - أي الحكمين - يوفق الله بينهما - أي بين الزوجين -} فهنا لما اشتبه الحق لم يجعل الله الحكم لواحد وهو في قضية معينة بين زوجين ولو حكم حاكم واحد بين الزوجين في أمر ظاهر لم ينفذ حكمه باتفاق المسلمين فكيف بأمر الدين والعبادات التي يشترك فيها جميع المسلمين وقد اشتبهت على كثير من الناس هذا بإجماع المسلمين لا يحكم فيه إلا الله ورسوله عليه الصلاة والسلام) .

إلى أن قال: (وولي الأمر إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة حكم بين الناس به وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا حتى يعرف الحق - بصدق لا بشهوانية - حكم به وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا ترك المسلمين على ما هم عليه كل يعبد الله على حسب اجتهاده وليس له أن يلزم أحدا بقبول قول غيره وإن كان حاكما وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم قال النبي صلى الله عليه وسلم ما حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا وقع بأسهم بينهم وهذا من أعظم أسباب تغيير الدول كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا) .

ثم قال: (فإن الحاكم إذا كان دينا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار وإذا حكم بلا عدل ولا علم - كالسياسيين والعصرانيين والانهزاميين - كان أولى أن يكون من أهل النار وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص. وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين فجعل الحق باطلا والباطل حقا والسنة بدعة والبدعة سنة والمعروف منكرا والمنكر معروفا ونهى عما أمر الله به ورسوله وأمر بما ينهى الله عنه ورسوله فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين واله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى وفي الأخرى وله الحكم وإليه ترجعون، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم) . انتهت الرسالة وانتهى المقصود من النقل [الفتاوى 35/ 388] .

والآن نعود إلى تكملة موضوعنا، فنقول:

الأدلة على مخالفة هذا التيار"الإمامي والعصراني والانهزامي":

1 -قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} . وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} أي لا تقدموا حاكما ولا غيره. وقال تعالى {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وألئك هم المفلحون} , وقال تعالى {واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} وقال تعالى {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} ولم يقل بما يرى الحكام والأمراء أو السياسة الدولية؟!

وقال تعالى {إن الحكم إلا لله} وليس للحكومات أو الدول , وقال تعالى {ولا يشرك في حكمه أحدا} وقال تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم} ولم يقل احكم بينهم بالنظام أو حسب التعليمات.

2 -عموم الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الجهاد ونصرة المسلمين ووجوب إظهار الحق والبيان والإفتاء والدعوة والتعليم والأمر والنهي ولم يتقيد ذلك بالحكام وهي كثيرة جدا يطول بنا المقام لو سردناها.

3 -أنه مخالف لهدي الصحابة فكانوا يفتون وإن خالف رأي الإمام ومن الأمثلة على ذلك:

أ- قال ابن القيم رحمه الله: (وعمر رضي الله عنه لما أفتى بمسائل مثل بيع أمهات الأولاد وألزم بالطلاق الثلاث وتبعه الصحابة خالفه في ذلك ابن مسعود رضي الله عنه في أمهات الأولاد , وخالفه ابن عباس رضي الله عنه في الإلزام بالطلاق الثلاث) اهـ [إعلام الموقعين ص230] .

ب- قال ابن تيمية: (وعمر بن الخطاب قد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر وروى أنه ضرب الحق على لسانه وقلبه وقال لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ومع هذا فما كان يلزم أحدا بقوله ولا يحكم في الأمور العامة بل كان يشاور الصحابة ويراجع فتارة يقول قولا فترد عليه امرأة فيرجع إلى قولها وقال امرأة أصابت ورجل أخطأ) [الفتاوى 35/ 384] .

ج- قال ابن تيمية أيضا رحمه الله عن عمر رضي الله عنه: (ففي مسائل النزاع مثل مسائل الفرائض والطلاق يرى رأيا ويرى علي بن أبي طالب رأيا ويرى عبد الله بن مسعود رأيا ويرى زيد بن ثابت رأيا فلم يلزم أحدا أن يأخذ بقوله بل كل منهم يفتي بقوله وعمر رضي الله عنه إمام الأمة كلها وأعلمهم وأدينهم وأفضلهم فكيف يكون واحد من الحكام خيرا من عمر هذا إذا كان قد حكم في مسألة اجتهاد) [الفتاوى 35/ 385] .

د- وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه خالف عثمان الحاكم رضي الله عنه في أمر الإفتاء بجواز متعة الحج.

هـ- قال ابن القيم [في إعلام الموقعين ص218] : (وقد خالف ابن مسعود رضي الله عنه عمر رضي الله عنه في نحو من مائة مسألة) ، ثم عد ابن القيم منها خمسة.

و- قصة أبي ذر رضي الله عنه في عدم استئذانه في الإفتاء بل كان يرى أن من الواجب عليه الإفتاء ولو بدون إذن الحاكم وقصته مذكورة في سنن الدارمي وعلقها البخاري في صحيحه بصيغة الجزم.

ز- وأبو سعيد الخدري رضي الله عنه ومن معه خالفوا رأي الأمير لما قدّم الخطبة على صلاة العيد حيث خالف السنة رواها مسلم في صحيحه , ولم يُقل هذا رأي الأمير فلا يجوز مخالفته؟!

ح- ونقل ابن القيم [في إعلام الموقعين ص219] : (أن ابن عمر كان يدع قول أبيه عمر إذا ظهرت له السنة) اهـ، فلاحظ أنه يدع قول الحاكم إذا ظهرت له السنة.

ط- وقال ابن عباس رضي الله عنه: (أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر) ، وهؤلاء يقال لهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون قال الأمير الفلاني وقال الحاكم الفلاني وقالت سياسة الدولة؟!

قال سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله [في التيسير ص483] : (وفيه كان ابن عباس رضي الله عنه يأمر بالمتعة في الحج، فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما - أي هما أعلم منك - فاحتجوا عليه بمذهب الحاكم فأنكر عليهم ذلك) ، قال سليمان رحمه الله: (فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامة وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟) ، ونحن نقول فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بمذهب حاكمه أو دولته.

ي- من ذلك موقف الصحابة وعلماء السلف من المسائل الفقهية التي أحدثها بنو أمية وتأولوا فيها لكن لما كانت مخالفة للنصوص أنكرها العلماء وخالفوها ورووا الأحاديث المخالفة لذلك ولم يقولوا هذا مذهب الحاكم ويجب اتباعه، كما أن بني أمية لم يتهموا من خالف في ذلك بأنه من الخوارج أو صاحب فتنة أو متحمس أو عاطفي أو متطرف أو إرهابي أو غير ذلك، بل اعتبر العلماء أن حكام بني أمية هم الذين شذوا:

1 -قال ابن عبد البر: (إن بني أمية أحدثوا الأذان ــ في العيدين ــ ولم يكن يعرفونه قبل) [الاستذكار 10/ 12] .

قال ابن حزم [في المحلى 3/ 140 رقم 322] : (إلا شيئا كان بنو أمية قد أحدثوه من الأذن والإقامة لصلاة العيدين، وهو بدعة) اهـ.

وقال الدمشقي [في اختلاف الأئمة ص 60] : (إن ابن الزبير رضى الله عنه أذن لصلاة العيد اهـ ومع ذلك خالفه الصحابة وغيرهم ولم يقولوا هذا مذهب الإمام يجب اتباعه، ويعاقب من خالفه ويسجن ويمنع من الفتوى والتدريس) .

2 -ونقل ابن قدامة ما رواه أبو داود وابن ماجة من إنكار عبد الله بن بسر الصحابي على الإمام لما أبطأ، قال ابن قدامه: (وأما حديث عبد الله بن بسر رضى الله عنه فإنه أنكر ابطأ الإمام عن وقتها المجمع عليه) اهـ [المغني والشرح 2/ 235] .

3 -قال ابن عبد البر: (أن عليا رضى الله عنه صلى العيد بالناس وعثمان محصور ... ) ، وقال: (وقد صلى بالناس في حين حصار عثمان رضى الله عنه جماعة من الفضلاء الجلة منهم أبو أيوب الأنصاري وطلحة وسهل بن حنيف وأبو أمامة بن سهل وغيرهم رضى الله عنهم وصلى بهم علي بن أبي طالب صلاة العيد وقال يحيى بن آدم صلى بهم رجل بعد رجل ... ) ، وذكر عن الخطيب البغدادي في التاريخ بسنده عن ثعلبة بن يزيد الحماني قال: (لم يزل طلحة يصلي بالناس وعثمان محصور أربعين ليلة حتى إذا كان يوم النحر صلى علي بالناس) اهـ [الاستذكار 10/ 36،35،32، والتمهيد 10/ 29] .

4 -قال ابن عبد البر: (أما تقديم الصلاة قبل الخطبة في العيدين فعل ذلك جماعة أهل العلم ولا خلاف في ذلك بين الفقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث وهو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وعلى ذلك علماء المسلمين إلا ما كان من بني أمية في ذلك) اهـ [التمهيد 10/ 254] ، وقال ابن قدامة: (إن خطبتي صلاة العيدين بعد الصلاة لا نعلم خلافا بين المسلمين إلا عن بني أمية) ، ثم قال: (ولا يعتد بخلاف بني أمية لأنه مسبوق بالإجماع وقد أُنكر عليهم فعلهم) اهـ [المغني والشرح 2/ 243] .

ومعلوم إنكار أبو سعيد الخدري رضى الله عنه عليهم.

5 -وكذا مما أحدثه الأمراء في زمن أبي هريرة وابن عباس رضى الله عنهما أحدثوا ترك الجهر بالتكبير إذا انحطوا إلى السجود من الركوع وإذا أراد أن يسجد السجدة الثانية من كل ركعة، فأنكر ذلك أبو هريرة وابن عباس ورويا أحاديث رفع الصوت بالتكبير في كل خفض ورفع كما ذكر ذلك ابن عبد البر [في الاستذكار 4/ 116،119، وأشار إليه ابن تيمية في الفتاوى 22/ 592] .

ك ـ والمأمون لمّا ألزم الناس بمذهب الحاكم المخالف للشريعة خالفه علماء أهل السنة.

الرابع من الأدلة:

أن هذا المسلك مخالف هدي أهل السنة والجماعة فإن مذهبهم ومعتقدهم أن الجهاد ماض وقائم مع كل إمام برا كان أو فاجرا , وكذلك الإفتاء بالحق ونصرة المسلمين والدعاء لهم والقنوت في نوازلهم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم الديني وإغاثة المسلمين وجمع التبرعات لهم كل ذلك ماض إلى يوم القيامة مع كل إمام برا كان أو فاجرا , لأن هذه الأمور السابقة فرع الجهاد وجزء منه فلها حكمه في المضي إلى يوم القيامة.

وهذه الشعائر مطلوب فعلها لذاتها ولم تربط هذه الأمور بالإمام على أنها حق له حق تملك يستأثر به ويأخذه أخذ الملاك إن شاء أقامه وإن شاء منعه أو قلله كما يفعل في ملكه وماله وأرضه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت