بل جعل في يده جعل أمانة وتكليف لا تشريف , فإذا فرط أو تكاسل أو خان لم يسقط بذلك , لأنه حق للإسلام وللمسلمين إنما شرع لكي يبقى إلى يوم القيامة فيقيمه حينئذ بدله , وبدله هم العلماء لأنهم أحد طرفي أولي الأمر , قال ابن تيمية [الفتاوى كتاب الحدود ج 34ص176] : (وقوله من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء؛ الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر فإذا كان مضيعا لأموال اليتامى أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه، والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية مما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه والله أعلم) اهـ بنصه.
وقال ابن تيمية [في المنهاج 1/ 141] : (قال أئمة السلف من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصود الولاية فهو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم ما لم يأمروا بمعصية) اهـ.
وقال ابن القيم رحمه الله [في إعلام الموقعين ص10] : (إن قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ) , وقال [في إعلام الموقعين ص10] : (والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم , فطاعتهم تبع لطاعة العلماء) .
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ، قال ابن تيمية: (من علم أن هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطأه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله لا سيما إن اتبع في ذلك هواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه) اهـ [الفتاوى 7/ 17,70] ، وقال أيضا: (إن من رد قول الله ورسوله وخالف أمره لقول أبي حنيفه أو مالك أوغيره له نصيب كامل وحظ وافر من هذه الآية) [تيسير العزيز الحميد ص488] ، ونحن نقول من رد قول الله ورسوله وخالف أمره لقول الحاكم أو الدولة أو الأمير له نصيب كامل وحظ وافر من هذه الآية.
الخامس من الأدلة:
وإذا كانت الحيل محرمة بالإجماع نقل الإجماع ابن بطة رحمه الله في كتاب إبطال الحيل والبخاري رحمه الله في صحيحه عقد له بابا كاملا وهو فعل ما ظاهره حق المقصود به باطل فكذلك الحيل السياسية وهي تسمية أوضاعهم طاعة ولاة الأمر وهي في الباطن إسقاط للحقوق والواجبات الشرعية الظاهرة. - وكذلك الحيل التيسيرية التي هي من صناعة العصرانيين والانهزاميين -.
السادس من الأدلة:
ثم العبرة بالمقاصد والمآل وفي الحديث"إنما الأعمال بالنيات"وهؤلاء بربطهم هذه الشعائر بالحكام يؤول بهم الأمر إلى إبطالها ومنع نصرة المسلمين والقضاء على الجهاد وإماتة الشعائر الدينية الظاهرة.
السابع من الأدلة:
ثم الإفتاء لأهل الشر بما يساعدهم على شرهم كما يفعل أهل هذا التوجه هم مثل من باع السلاح في زمن الفتنة وهو محرم بالإجماع , قال النووي رحمه الله [في المجموع 9/ 360] : (بيع السلاح لأهل الحرب حرام بالإجماع , ومثل من باع العصير لمن يشرب الخمر قال تعالى {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ) .
قال ابن هبيرة [في الإفصاح 1/ 353,352] : (واتفق الأئمة الأربعة على كراهية أن يباع العنب لمن يتخذه خمرا , وعلى كراهية البيع بعد النداء الثاني يوم الجمعة) اهـ.
وهذا فيه رد على العصرانيين والانهزاميين الذين يختارون للناس ما يحقق رغباتهم، وسبب ذلك سدا للذريعة فكيف تربط هذه الشعائر الظاهرة من الجهاد وغيره بأناس لا يهتمون بها ولا يسعون إلى إقامتها بل إلى إماتتها فربط ذلك بهم سبب إلى تعطيلها.
الثامن من الأدلة:
والمفتي وفق الرغبات والأهواء السياسية باسم الطاعة أو الذي سلط الحكام على إماتة الشعائر الظاهرة مثل القاضي الجائر ومثل القاضي هوى وقد جاء في الحديث"القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار ثم ذكر القاضي الجائر والقاضي الجاهل"رواه أبو داود عن بريدة رضي الله عنه. وكذا المفتون والعلماء ثلاثة , والجائر هو الذي يجاري رغبات الحكام والأمراء أو يسلط الحكام على إماتة الشعائر الظاهرة.
أما مخالفته للإجماع ففي النقولات التالية:
أ ـ نقولات الإجماع الكثيرة التي نقلناها من رسالة ابن تيمية السابقة فارجع إليها أعلاه.
ب ـ قال الشافعي رحمه الله: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) وكلمة الناس عامة في الحكام وغيرهم!
ج ـ قال ابن عبد البر: (أجمع العلماء على أن من أمر بمنكر لا تلزم طاعته) .اهـ [التمهيد 23/ 277] / والأمر باتباع مذهب الحكام منكر كما سبق من الأدلة.
د ـ ونقل تيسير العزيز الحميد [ص490] عن ابن تيمية: (اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه) .اهـ
هـ ـ وقال ابن تيمية أيضا: (أهل السنة لا يجوزون طاعة الإمام في كل ما يأمر به بل لا يوجبون طاعته إلا فيما يسوغ طاعته فيه في الشريعة) .اهـ [المنهاج 2/ 76] ، وقال ابن تيمية أيضا رحمه الله: (الإمام العدل وجبت طاعته فيما لم يعلم أنه معصية , وإذا كان غير عدل فتجب طاعته فيما علم أنه طاعة كالجهاد) .اهـ [الفتاوى 29/ 196] , وانظر إلى تفريقه بين العدل وبين غيره في مسألة الطاعة.
وقال أيضا: (فليس لأحد إذا أمره الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر أن ينظر هل أمر الله به أم لا بخلاف أولي الأمر فإنهم قد يأمرون بمعصية الله , فليس كل من أطاعهم مطيعا لله بل لابد فيما يأمرون به أن يعلم أنه ليس بمعصية لله وينظر هل أمر الله به أم لا) . اهـ [الفتاوى 10/ 267] . ثم وازن بين كلام هذا الإمام رحمه الله وبين كلام هؤلاء.
و ـ قال عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: (إن من خالف الكتاب والسنة فيجب الرد عليه كما قال ابن عباس رضي الله عنه والشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله وذلك مجمع عليه) .اهـ [في فتح المجيد ص344] ، وقال عبد الرحمن بن حسن رحمه الله [في فتح المجيد ص346] : (والأئمة رحمهم الله نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة. اهـ وعليه ينهى عن تقليد الدولة إذا استبانت السنة) .
ز ـ وقد اتفق الأئمة الأربعة رحمهم الله على أنه إذا خالف قولهم الكتاب والسنة أنه يضرب به عرض الحائط , وكذلك يقال في مذهب الحاكم إذا خالف الشريعة.
ويقال أيضا في مسلك ومنهج العصرانيين والانهزاميين.
الأدلة من القياس على مخالفة هذا التيار:
ووجه الدلالة هو تحريم السلف للتعصب المذموم في مسألة تقليد المذاهب الأربعة: إما تقليدهم في الخطأ أو نصب عالم معين يتبعه مطلقا ويُمنَع من غيره. ومثل ذلك في تقليد البلدان , فقسنا عليه تقليد الحكام. وكان السلف والأئمة السابقون قاوموا بدعة تقليد العلماء والتعصب لهم ثم بدعة تقليد البلدان على وجه التعصب ثم تطور الأمر في الوقت الحاضر إلى بدعة تقليد الأمراء والحكام. وتوضيح القياس يكون في النقاط التالية:
1 -تقاس على مسألة تقليد المذاهب الأربعة المعروفة على وجه التعصب، قال ابن القيم رحمه الله في مقلدة العلماء حيث تكلم عن فرقة ضالة"كانت إذا نزلت نازلة لم يجز عندهم أن ينظر في الكتاب ولا السنة ولا أقوال الصحابة بل ينظر إلى ماذا قال مقلده ومتبوعه وجعله معيارا للحق". اهـ [إعلام الموقعين ص257] ، ونحن نقول ما قال ابن القيم في مقلدة العلماء نقول مثلهم مقلدة الأمراء والحكام يجعلونهم معيارا على الحق.
وقد ناقش بدعة تقليد العلماء التقليد المحرم ابن عبد البر رحمه الله في جامعه عن العلم , وابن حزم رحمه الله في كتبه وابن تيمية رحمه الله وابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين في ثلاثين صفحة [من ص227 إلى ص260] , والخطيب رحمه الله في كتابه الفقيه والمتفقه والشوكاني رحمه الله والصنعاني رحمه الله وجمع من أهل العلم , حتى أصبح مبحثا يُبحث في أصول الفقه بعنوان التقليد.
وإذا كان الله قد حرم تقديم أقوال العلماء بين يدي الله ورسوله قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} فكيف بالحكام قليلي العلم الشرعي بل عادميه؟.
2 -تقاس على مسألة تقليد البلدان: مثل مسألة إجماع أهل المدينة.
وناقش ابن القيم رحمه الله من أوجب عمل أهل المدينة [في إعلام الموقعين] ، وقال: (ومالك على تعظيمه أهل المدينة ما كان يرى أنه واجب على غيرهم العمل به وقصته مع الرشيد شاهد على ذلك) ، وذكر ابن القيم في إعلام الموقعين قصة مالك مع الرشيد فقال: (بل مالك رحمه الله نفسه منع الرشيد رحمه الله من ذلك وقد عزم عليه وقال له قد تفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم) . اهـ مختصرا والقصة معروفة.
قال ابن القيم رحمه الله: (وعمر رضي الله عنه ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهل الأمصار ألا يعملوا بما عرفوه من السنة وعلمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة وأنهم لا يعملون إلا بعمل أهل المدينة) .
وما يقال فيمن أوجب مذهب الحاكم هو مثل من أوجب مذهب المدينة أو مذهب عالم معين. ووصف من خالف مذهب الحاكم أو الدولة بالخروج والفتنة أو بالحرورية والتكفير هو مثل من وصف من خالف مذهب أهل المدينة أو مذهب عالم معين بالخروج والفتنة، وهذا أتى بما لم تأت به الأوائل , وخالف إجماعهم في هذا، وابتدع وخالف هدي الصحابة والقرون المفضلة.
3 -تقاس المسائل السابقة على مسألة دفع الصائل فإن ذلك يُفعل ولا يربط بإذن الإمام بالإجماع.
4 -على قول الفقهاء أنه تجوز عقد مدة في العهد مع الكفار ما لم تُؤد إلى تعطيل الجهاد , فإن عطلته لم يجز , ونحن نقول الإذن جائز ما لم يُؤد إلى تعطيل الجهاد , فإن عطلته لم يجز.
5 -تقاس على مسألة أن الجمعة أو صلاة الجماعة أو الصيام أو الحج أو الأذان للصلوات لا تقام إلا بإذن الإمام لكن إن سوّف الإمام في إقامتها وقد وجبت أو منع من إقامتها مراعاة لأهواء معينة له أو لغيره فهل يقول عاقل فضلا عن مسلم أنه لا بد من إذنهم ولا تُفعل حتى يأذنوا , بل يُقال تقام بإذن العلماء أحد طرفي ولاة الأمر , والأصل مراعاة إقامة الشعائر أولى من مراعاة الحكام وهؤلاء عكسوا القضية.
وقائع تاريخية في ذلك:
أنه بعد قتل المستعصم رحمه الله وهو آخر خليفة عباسي في بغداد على يد التتار بقي الناس مدة طويلة - ثلاث سنوات - لا خليفة لهم ومع ذلك بقي الناس يقيمون الجهاد والشعائر الظاهرة والحقوق والواجبات الشرعية كما كانوا من قبل ولم يعطلوها بحجة عدم وجود خليفة أو عدم إذنه.
مسألة
أما لو احتج محتج بأن هذا فعل بعض العلماء المتأخرين رحمهم الله؟
قلنا له لم تفهم صورة المسألة التي عملها بعض أهل العلم وهي:
أ ـ أن العمل المباح - لاحظ قيد الإباحة - الذي تعددت صوره وكل صورة مباحة فهذا لا مانع من جمع الناس على أحد الصور لمصلحة الجمع وعدم التفرق كما فعل عثمان في جمع المصحف فإن القراءات كانت كلها مباحة على سبعة أحرف كلها شاف كاف , ومثله تنوع صور الأذان للصلاة وغير ذلك.
ب ـ وكذلك إذا كان الصور متعددة والتعدد تخيير للشخص - لاحظ للقيد أنه تخيير تشهي أو اختيار مصلحة - ثم ظهر تلاعب فللحاكم أن يُعزر بالاقتصار على بعض الصور ما لم يُؤد إلى مفسدة كما فعل عمر رضي الله عنه في جعل الثلاث في الطلاق حيث أمضاه ثلاثا تعزيرا وعقوبة لمن تعجل في أمر له فيه أناة , ولمّا ظهر التحايل ونكاح التحليل في زمن ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله أفتيا بعودة الأمر إلى العتيق الأول - ذكر ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله [في فتاويه 11/ 28] -
ج ـ أما ما كان من المسائل الاجتهادية ورأى الحاكم العادل أو الحاكم حسن النية الأخذ بأحد الأقوال وكان ملاحظا في أمره مصلحة المسلمين ما لم يعارض ذلك مفسدة أخرى وقصد مصلحة المسلمين لم يقصد مصلحته الخاصة أو مصلحة بقاء ملكه أو مصلحة إرضاء جهات أخرى معادية للإسلام والمسلمين , فإن هذا أجازه بعض أهل العلم.
وهنا احب أن أقف لحظة لتبيين ماذا يُقصد بالمصلحة، وأنقل هنا كلاما جميلا لابن سحمان رحمه الله [في جامع الرسائل والمسائل النجدية 3/ 165] ردا على من فهم فهما خاطئا من كلام بعض الفقهاء أنه يجوز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة , وظن هذا المستدل أن الضرورة عائدة لمصلحة الحاكم، فقال ابن سحمان ردا على ذلك قال: (غلط صاحب الرسالة في معرفة الضرورة فظنها عائدة إلى مصلحة ولي الأمر في رياسته وسلطانه وليس الأمر كما زعم ظنه بل هي من ضرورة الدين وحاجته إلى من يعين عليه وتصلح به مصلحته كما صرح به من قال بالجواز وقد تقدم ما فيه والله أعلم) . اهـ
وهذه قاعدة عامة وقيد مهم في فهم ماذا يقصد العلماء إذا قيدوا فعل الحاكم بالمصلحة أو الضرورة أنها مصلحة وضرورة الدين والمسلمين وليس مصلحة ضرورة أهواء الحكام والمحافظة على كراسيهم ودنياهم، فإذا كان الأمر بهذه الطريقة فهذا الذي أجازه بعض أهل العلم وقالوا يسوغ اتباعه من باب مراعاة المصالح , بعد مراجعة العلماء المعتبرين.
على أن هذا القول فيه خلاف فلا يُسلّم به بعض أهل العلم ويمنعونه ولا يجيزون حتى هذه المسألة ولهم سلف في ذلك من الصحابة كما سبق ذكره! وعلى كل ليس مسلكهم مسلك هؤلاء المتأخرين فيستغلون هذا القول الذي قيل به من أجل نفع الحكام وتحقيق رغباتهم من خلال هذا القول فيكون منهجا عندهم ويعممونه في كل مسألة، مع أن من قال به جعله من باب الاستثناء و الطارئ لا من باب الأصل والمنهج!!
والعلماء السابقين الذين قالوا بهذا القول أحيانا لم يكونوا يضللون من خالفهم ويتهمونه بالاستعجال والحماس غير المنضبط أو بالخروج أو الفتنة أو يسجن أو يضيق عليه ويطلب منه أن يعتذر أو يتبرأ من الحق الذي قاله أو يتعهد بعدم التكرار فهذا من الظلم والاعتداء وعند الله تجتمع الخصوم {ولا تحسبن الله غافلا عما يفعل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} علما بأننا لو سلمنا بهذه المسألة فإنه يكون للحاجة لا منهجا مطردا أو مسلكا عاما ويُتخذ عصا وعُكازة في وجه العاملين والمجاهدين والعلماء الربانيين فيُمنعون بذلك ثم يُجعل هو الأصل , والله غالب على أمره ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القوي. ومعلوم أن الحاجة تقدر بقدرها ولا تُنزل منزلة الدوام. ثم هناك فرق بين المنع العام كمنهج عام وبين المنع الخاص في مسائل خاصة لمصلحة المسلمين هذا كله على فرض التنزل والمجاراة.
وعلى كل فإن القاعدة المجمع عليها أن ما كان فيه اختلاف ما بين مجيز ومانع فهذا الحاكم فيه الكتاب والسنة لا لأحد من العلماء ولا لأحد من الحكام - وقد مضى في رسالة ابن تيمية التي نقلناها ذكر الإجماع فراجعه - قال تعالى {وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ولم يقل إلى حاكم أو دولة.
قال ابن القيم: (أجمع الناس أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه وإلى سنته بعد وفاته) .
قال الشافعي رحمه الله: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس) ، وكلمة الناس عامة في الحكام وغيرهم!
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قال: (لا أرى لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وهذا التوجه الجديد في الآونة الأخيرة مر بمراحل:
فكانت أولا بدعة تقليد الحكام ثم تطورت إلى بدعة تقليد أهواء الحكام ثم هذه تدرجت إلى:
1 -لوم من خالف مذهب الحاكم أو الدولة المخالف للشريعة.
2 -إلزام الناس به.
3 -معاقبة من خالفه.
4 -واتهامه بالخروج أو الفتنة أو الشذوذ أو التكفير أو الحماس أو الاستعجال.
والخلاصة:
أن ربط شعائر الدين الظاهرة من الجهاد وفروعه أو الإفتاء وربط الأحكام الفقهية كالقنوت والهجرة وغيرها , وربط الحقوق الشرعية كالنصرة ودفع الظلم والدعم للمسلم وغير ذلك بقول إمام معين أو حاكم معين أو استشارة علماء معينين أو أهل بلد معين أو بالتربية أو التكافؤ مع العدو أو بالتدرج ونحوه فهذا ربط بشيء ما أنزل الله به من سلطان؟ فأين الدليل على ذلك , قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين , بل هو من الأمور المحدثة في الدين وخلاف هدي القرون المفضلة كما سبق توضيحه. فكيف يُعاد التعصب المذموم من جديد بصورة أخرى. وبدلا أن يُعلق بالعلماء عُلق بالحكام والأمراء. وكذا بالعصرانيين والانهزاميين.
فصل
وهذا الفصل يتناول قضية الإذن بشكل خاص فنقول: المسألة مبنية على أصول ترد إليها وعلى أدلة خاصة:
الأصل الأول:
أن الخطاب للمسلمين لكن أُنيط الحكم بالولاة من أجل العمل لأن إناطته بجميع أفراد الأمة يؤدي إلى الفوضاء فأنيط برؤوسهم وسادتهم للتنفيذ ولضبط الأمور وإقامتها على الوجه الأكمل , لأنه وكيل عن المسلمين , لا أنه حق لهم يصير في أيديهم كالملاك له يتصرفون فيه كما شاؤا بل هو تكليف للتنفيذ وليس تمليكا , فإذا قصروا أو سعوا في إبطال ما أنيط بهم انتقل إلى الأقرب فالأقرب كالعلماء وأهل الحل والعقد وأهل الشوكة. . . الخ.
قال ابن تيمية [في الفتاوى كتاب الحدود ج 34/ 175] :(خاطب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابا مطلقا كقوله {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} وقوله {الزانية والزاني فاجلدوا} وقوله {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} وكذلك قوله {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} لكن قد علم أن المخاطب بالفعل لا بد أن يكون قادرا عليه والعاجزون لا يجب عليهم وقد علم أن هذا فرض على الكفاية وهو مثل الجهاد بل هو نوع من الجهاد فقوله {كتب عليكم القتال} وقوله {وقاتلوا في سبيل الله} وقوله {إلا تنفروا يعذبكم} ونحو ذلك هو فرض على الكفاية من القادرين , والقدرة هي السلطان فلهذا وجب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوابه.
والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة: لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابا لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم فهذا عند تفرق العلماء وتعددهم وكذلك لو لم يتفرقوا لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة فإن ذلك أيضا إذا أسقط عنه إلزامهم بذلك لم يسقط عنهم القيام بذلك بل عليهم أن يقيموا ذلك وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك لكان ذلك الفرض على القادر عليه.
وقول من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر فإذا كان مضيعا لأموال اليتامى أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه.
والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه والله أعلم) . اهـ بنصه.
وفي كتاب التاج والإكليل في فقه المالكية [2/ 381] قال ابن الماجشون: (إذا كان الناس مع إمام يضيع أمر الهلال فلا يدع ذلك من أنفسهم فمن ثبت عنده برؤية من يثق بصدقه صام عليه وأفطر وحمل عليه من يقتدي به) اهـ.
الأصل الثاني:
مبني على قاعدة أهل الولايات المنوط بهم الولايات أن عملهم مبني على الوكالة وليس على التملك وتصرفهم فيها تصرف الوكيل المراعي للمصلحة وليس تصرف المالك حسب رغبته.
والولايات مثل الإمام وما دونه من الأمير ونحوه والقاضي والولي في النكاح كالأب وغيره من العصبات وكالناظر في الوقف وكالوصي في الوصية وولاية الملتقط في اللقطة وولاية الأم في مدة الحضانة والإمام في الصلاة والوكيل في البيع والشراء ونحو ذلك. فالقاعدة في هؤلاء:
أ- إنهم يتصرفون حسب المصلحة والأحظ للعمل المنوط بهم.
ب- أن من فسد منهم في عمله لا يقر عليه بل ينتقل إلى من بعده إن كان فيه تسلسل وترتيب وإلا انتقل إلى بديل شرعي مناسب.
ج- أنهم ليسوا ملاكا لما ولوا عليه يتصرفون فيه تصرف الملاك أو هو ملازم لهم لا ينفك عنهم ملازمة الأعضاء للإنسان.
د- أن تصرفهم في مصلحة العمل المنوط بهم أما إذا عاد تصرفهم على العمل المنوط بالإفساد والإبطال لم يُقروا عليه.
وفروع هذا القاعدة كثيرة وهي كالتالي:
1 -قياس الإمامة الكبرى على الإمامة الصغرى وهي إمامة الصلاة فإن إمام الصلاة إذا تأخر عن الوقت المعتاد أو شق على الناس جاز لهم أن يقيموا غيره وسقط حقه في الإذن وحل محله الأهل للإمامة في الصلاة , خصوصا إذا تأخر تأخرا يؤدي إلى مقاربة خروج الوقت فإنه يعود على العبادة بالإبطال فلا يُقر على عمله فضلا أن يوجب أخذ إذنه , فقد جاء في الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف صلى بالناس في غزوة لما تأخر الرسول صلى الله عليه وسلم وقد صوّب الرسول فعله وأثنى عليه.
2 -وكذا الصيام وفي كتاب التاج والإكليل في فقه المالكية [2/ 381] قال ابن الماجشون: (إذا كان الناس مع إمام يضيع أمر الهلال فلا يدعوا ذلك من أنفسهم فمن ثبت عنده برؤية من يثق بصدقه صام عليه وأفطر وحمل عليه من يقتدي به) اهـ.
3 -أن ولي المرأة إذا تقدم لها الكفء ثم تأخر عن تزويجها بدون عذر شرعي فإنه يسمى عاضلا وتسقط ولايته بذلك قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن} وتنتقل إلى من بعده من العصبات خصوصا إذا تأخر تأخرا يؤدي إلى عزوف الخُطّاب وهجرهم للمرأة , قال ابن تيمية [في الاختيارات ص205] : (وتزويج الأيامى فرض كفاية إجماعا فإن أباه حاكم إلا بظلم , كطلبه جعلا لا يستحقه صار وجوده كعدمه) . اهـ