إنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، بل ابتعدوا عن الموضوع، فكل كلامهم يدور حول الغلو والتطرف ولا يخالفهم أحد في ما فيهما من ضرر وعند كلامهم عن خصومهم فالتهجم والسب والقذف هو طابعهم المميز، فلا يزداد خصومهم إلا بعدا منهم ونفرة، إذ لا يلمسون في ذلك الخطاب نصيحة مشفق ولا إعذار منصف.
إن ثمة جانبا يدعو للتأمل، لا ينكره منصف، وهذا الجانب يتعلق بصدق الشباب، وإخلاصهم إذ لا يقدم المرء على فعلهم إلا بدافع الإخلاص، ولا يبذل المرء نفسه رخيصة لتحقيق أمانيه إلا إذا كان صادقا فيها، وهذا الجانب مهم، يجعل كل من أراد إسداء نصح يقبل على هؤلاء السلفيين الجهاديين مستبشرا بالخير مترقبا النجاح، ما دام ذا علم بالأصل الذي يعودون إليه وينقادون له.
أين أولئك العلماء مما يتعرض له المسلمون من تشتيت وتشريد واحتلال للأوطان وسفك للدماء؟ وهل أثرت فيهم لوعات الأرامل وأناة الثكالى وصيحات اليتامى أو غير ذلك مما تنفطر له الأكباد وتتقطع له الأجساد؟
إنهم يتكلمون عن الحياة الجميلة والعيش الرغيد والأمن والاستقرار وغير ذلك مما يخدرون به عقول الأمة، هذا بخلاف الذين يسيرون على نهج السلف لإقامة الدين، فينصرون إخوانهم ويحاربون أعداءهم تمسكا بعقيدة الولاء والبراء، فالمسلمون جسد واحد، ويد على سواهم.
فتنة قلب الحقائق:
لقد وقع الكثير من اللعب بأحكام الدين تارة باسم مواكبة العصر، وتارة باسم تاريخية الشريعة واختلاف الظروف، وباسم فهم الواقع وفقه المقاصد تارة أخرى، ومن هنا قلبت المفاهيم ولعب بالألفاظ وسميت الأشياء بغير أسمائها حتى وصف الجفاء والتفريط بالحكمة والرشد، ووصفت مظاهر الحق والرشاد بالغلو والتطرف.
وهذا المنطق قديم، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى أن الشيطان قال لأبينا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى {] طه:120 [وقال لأبوينا} ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين ] الأعراف:21[.
وهكذا أولياء الشيطان في كل زمان، فقد ذكر الله عن فرعون أنه قال ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ]غافر:26 [