فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 274

أهل السنة ناهيك عن أن يخفى على خواصهم، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال: هل كان يتوهم عاقل؟! أي لا يخفى هذا الأمر إلا على من سلب الله منه العقل نعوذ بالله سبحانه من الضلال بعد الهدى.

وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، هو عين مذهب أهل السنة والجماعة، بل كل من يخالف ذلك يعتبر خارجًا عن مذهب أهل السنة بقدر مخالفته لهم، خاصة إن كان خلافه لهم يتعلق بأصل من أصولهم، كالمسألة التي نحن بصددها. ومن الأدلة الشرعية على دخول الأعمال في مسمى الإيمان قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} .

وإنما أداة حصر تدل على القصر، أي يبين الله سبحانه أن الإيمان مشتمل على عمل الباطن وعمل الظاهر، فقوله: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} عمل الباطن وهو القلب، وقوله: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} عمل الجوارح، ثم قال سبحانه: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} . فالمؤمنون الحق، أي الذين تحققوا على حقيقة الإيمان، أي هم الذين يجمعون بين عمل الباطن وعمل الظاهر، وقال سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، ففي هذه الآية الكريمة يقسم الله سبحانه وتعالى بنفسه لرسوله صلى الله عليه وسلم نافيًا الإيمان عن الزاعمين له حتى ينقادوا ظاهرًا وباطنًا إلى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فقوله سبحانه: {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} . دليل على انقياد الظاهر. وقوله سبحانه: {ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ} . دليل على انقياد الباطن. والفرق بين الآيتين، أن الآية الأولى دلت على إثبات الإيمان لمن جمع بين عمل الظاهر وعمل الباطن، والآية الثانية، دلت على نفي الإيمان عن الذين لا ينقادون إلى حكم الله ظاهرًا وباطنًا.

ولكن قد يقول البعض: إن نفي الإيمان هنا يدل على نفي الكمال وليس الحقيقة.

أقول: هذا أيضًا بناء على أصل مذهبهم القائم على إخراج العمل عن مسمى الإيمان، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة ولنأخذ على سبيل المثال هاتين الآيتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت