فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 274

تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا فسماهم الله منافقين، وبرأ المؤمنين من ولايتهم، وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنا قد أصابنا أوجاع في المدينة واتخمناها، فلعلنا أن نخرج إلى الظهر حتى نتماثل ثم نرجع، فإنا كنا أصحاب برية. فانطلقوا واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداء الله منافقون، وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم. وقالت طائفة: لا، بل إخواننا تخمتهم المدينة فاتخموها، فخرجوا إلى الظهر يتنزهون فإذا برئوا رجعوا. فأنزل الله في ذلك {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: أخذ ناس من المسلمين أموالا من المشركين فانطلقوا بها تجارا إلى اليمامة، فاختلف المسلمون فيهم، فقالت طائفة: لو لقيناهم قتلناهم وأخذنا ما في أيديهم. وقال بعضهم: لا يصلح لكم ذلك، إخوانكم انطلقوا تجارا. فنزلت هذه الآية {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} .

وما نستفيده من هاتين الآيتين، أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في الحكم على طائفة تخلفت عن نصر المؤمنين مع إظهارها للإسلام، فقالت طائفة من المسلمين: هم مسلمون لأنهم يشهدون شهادة الحق، وقالت الطائفة الأخرى: هم منافقون خارجون عن الإسلام بسبب تخاذلهم وعدم نصرهم للمؤمنين وتوليهم للكافرين، فأنكر الله سبحانه على المؤمنين هذا الخلاف الذي الأصل فيه أن لا يكون، ثم بين حكمه في هؤلاء المتخلفين بأنهم منافقون ظاهرو النفاق.

ودليل أن هؤلاء مظهرون للإسلام وقوع الخلاف في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلو أنهم كفروا كفرًا صريحًا بأن أعلنوا الردة لما وقع الخلاف بين الصحابة، ولكنهم لما أظهروا الإسلام، وجاءوا بما يناقضه اختلف الصحابة فيهم على قولين، فمنهم من اعتبرهم لم يخرجوا عن الإسلام بسبب إتيانهم بالشهادتين، ومنهم من حكم عليهم بالكفر وهم الذين أيدهم الله بقوله، وهذا التأييد من الله تضمن معنى الإنكار إذ جاء بصيغة الاستفهام الإنكاري وهو قوله سبحانه: {فما لكم} ، وهذا القول هو أن العمل من الإيمان وأنه من أتى بما يناقضه يحكم عليه بالكفر، إلا أن يكون معذورًا شرعًا، كأن يكون جاهلًا أو متأولًا أو مكرهًا، أو مخطأً، وهذا ما قرره علماء أهل السنة والجماعة خلافًا للمرجئة الذين لا يكفرون إلا بالاعتقاد والاستحلال القلبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت