مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَاتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) [هود/84 - 95]
قُولُ اللهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى مَدْيَنَ (وَهِيَ قَبِيلَةٌ عَرَبِيَّةٌ كَانَتْ تَسْكُنُ بَيْنَ الشَّامِ وَالحِجَازِ قَرِيبًا مِنْ مَعَانَ) أَخَاهُمْ شُعَيْبًا رَسُولًا، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التَطْفِيفِ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَقَالَ لَهُمْ إِنِّي أَرَاكُمْ بَخَيْرٍ فِي مَعِيشَتِكُمْ وَرِزْقِكُمْ، وهذا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْنِيكُمْ عَنِ الدَّنَاءَةِ فِي بَخْسِ حُقُوقِ النَّاسِ، وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالبَاطِلِ بِمَا تُنْقِصُونَهُ لَهُمْ فِي المَبِيعِ. وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُسْلَبُوا ما أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعْمَةِ فِي الدُّنْيا بِسَبَبِ انْتِهَاكِكُمْ مَحَارِمَ اللهِ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ عَذَابُ اللهِ فِي يَوْمِ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَهُوَ يَوْمٌ يُحِيطُ بِأَهْوالِهِ بِالنَّاسِ جَمِيعًا، وَلاَ يَنْجُوا مِنْهُ أَحَدٌ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللهُ.
وَنَهَاهُمْ عَنْ إِنْقَاصِ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، إِذَا أَعْطَوا النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِوَفَاءِ الكَيْلِ وَالوَزْنِ إِذا أَخَذُوا مِنَ النَّاسِ، وَنَهَاهُمْ عِنْ العُتُوِّ فِي الأَرْضِ، وَالفَسَادِ فِيها، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى عِبَادِ اللهِ.
مَا يَبْقَى لَكُمْ مِنَ الرِّبْحِ الحَلاَلِ، بَعْدَ إِيْفَاءِ المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا تَاخُذُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ، وَمِنْ بَخْسِكُمُ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ، وَأَكْلِ الأَمْوَالِ الحَرَامِ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِاللهِ، وَبِمَا يُوجِبُهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الاسْتِقَامَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ، فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ، وَرَاقِبُوا رَبَّكُمْ، فَأَنا لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِرقِيبٍ وَلا حَفيظٍ.
قَالُوا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالسُّخْرِيَةِ: يَا شُعَيْبُ هَلْ صَلاَتُكَ وَإِيمَانُكَ بِرَبِّكَ يَامُرَانِكَ بِأَنْ تَدْعُوَنَا إِلَى تَرْكِ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ، أَوْ أَنْ تَمْنَعَنَا عَنِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِنَا بِمَا يُنَاسِبُ مَصْلَحَتِنَا مِنَ الحَذْقِ وَالخَدِيعَةِ، وَبِالشَّكْلِ الذِي نُرِيدُ؟ إِنَّ هَذا غَايَةُ السَّفَهِ. أَهَذا أَنْتَ الحَلِيمُ المُكْتَمِلُ العَقْلِ (الرَّشِيدُ) ؟