فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ: هَلْ تَرَوْنَ لَوْ أَنَّنِي كُنْتُ عَلَى بَيِّنّةٍ مِنْ رَبِّي وَهُدًى، وَأَنَّهُ آتَانِي النُّبُوَّةَ، وَرَزَقَنِي رِزْقًا حَلالًا طَيِّبًا حَسَنًا، ثُمَّ عَصَيْتُهُ فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيكُمْ، وَتَرَكْتُ دَعْوَتَكُمْ إِلَى الحَقِّ، وَعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ حِينَئِذٍ؟ وَأَنَا لاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ شَيءٍ وَأُخَالِفُكُمْ فِي السِّرِّ إِليهِ فَأَفْعَلُهُ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقولَ لَكُمْ إِنَّ اللهَ أَكْرَمَنِي بِالرِّزْقِ الحَلالِ الحَسَنِ، دُونَ أَنْ أَحْتَاجَ إلى التَّطْفِيفِ فِي المِكْيَالِ وَالمِيزَانِ، وَدُونَ أَنْ أَبْخَسَ فِيهما.
وَأَنَا لاَ أُرِيدُ مِنْ أَمْري إِيّاكُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَبِالإقْلاعِ عَنِ المَفَاسِدِ، إلاَّ الإِصْلاَحَ بِقَدْرِ جَهْدِي وَطَاقَتِي. وَلا أَسْأَلُ غَيْرَ اللهِ التَّوْفِيقَ فِي إِصَابَةِ الحَقِّ وَإِنَّنِي تَوَكَّلْتُ عَلَيهِ، وَإِلَيهِ أَخْلَصْتُ وَأَنبْتُ فِي عِبَادَتِي وَطَاعَتِي.
وَتَابَعَ شُعَيْبٌ حَدِيثَهُ مَعَ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ لاَ يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضِي وَعَدَاوَتِي عَلَى الإِصْرَارِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وَالفَسَادِ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنْ غَرَقٍ، وَقَوْمَ هُودٍ، مِنْ عَذَابِ الرَّيِحِ العَقِيمِ، وَقَوْمَ صَالِحٌ مِنْ عَذَابَ يَوْمَ الظُلَّةِ، وَقَوْمَ لُوطٍ المُجَاوِرِينَ لَكُمْ مِنْ هَلاكٍ شَامِلٍ وَعَذَابٍ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، وَعُتُوِّهِمْ عَنْ أَمْرِهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ.
وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ رَبَّكُمْ مِمَّا أَسْلَفْتُمْ مِنْ ذُنُوبٍ، وَتُوبُوا إِلَيهِ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَيَّامِكُمْ عَنِ الأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، إِنَّ رَبِّي وَدُودٌ، كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لِمَنْ أَخْلَصَ التَّوْبَةَ إِلَيْهِ.
قَالُوا: يَا شُعَيْبُ إِنَّنَا لاَ نَفْهَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ لَنَا عَنْ بُطْلاَنِ عِبَادَةِ آلِهَتِنَا، وَقُبحِ حُريَّةِ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِنَا، وَمَجِيءِ عَذَابٍ يُحِيطُ بِنَا، وَإِنَّا نَرَاكَ ضَعِيفًا فِينَا، لأَنَّ أَكْثَرَ عَشِيرَتِكَ لَيْسَتْ عَلَى دِينِكَ، وَلَوْلاَ عَشِيرَتُكَ الأَقْرَبُونَ لَقَتَلْنَاكَ رَجْمًا بِالحِجَارَةِ، وَأَنْتَ لَسْتَ فِينَا بِذِي عِزِّ وَمَنَعَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَجْمِكَ.
قَالَ لَهُمْ شُعَيبٌ: هَلْ جَمَاعَتِي أَحَقُّ بِالمُجَامَلَةِ وَالرِّعَايَةِ عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ؟ فَتَتْرُكُونَ مَسَاءَتِي إِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا لِقَوْمِي، وَلاَ تَتْرُكُونَهَا إِعْظَامًا للهِ القَدِيرِ أن تَنَالُوا نَبِيَّهُ بِمَسَاءَةٍ، وَقَدْ نَبَذْتُمْ جَانِبَ اللهِ وَحَقَّهُ، وَجَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ لاَ تُطِيعُونَ رَبَّكُمْ، وَلاَ تُعَظَّمُونَهُ. وَرَبِّي يَعْلَمُ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ وَهُوَ مُحيطٌ بِهَا، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهَا أَوْفَى الجَزَاءِ.
وَلَمَّا يَئِسَ نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ مِنْ اسْتِجَابَةِ قَوْمِهِ لِدَعْوَتِهِ، قَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ اعْمَلُوا أَنْتُمْ عَلَى طَرِيقَتِكُمْ، وَمَا هُوَ فِي إِمْكَانِكُمْ (عَلَى مَكَانَتِكُمْ، وَأَنَا سَوْفُ أَعْمَلُ عَلَى طَرِيقَتِي، وَعَلَى قَدْرَ مَا يُؤَيِّدُنِي اللهُ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ مِنَّا، أَنَا وَأَنْتُمْ، سَيَاتِيهِ