الفتاة الطاهرة النقية حين تلقى الرجال، عَلَى اسْتِحْيَاء، من غير تبذل ولا تبرج ولا تبجّح ولا إغواء، لم تأتِ لتعرض مفاتنها.
عن عمر رضي الله عنه قال: (جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسَلْفَعٍ من النساء ولاّجةً خرّاجة) [1] .
إنها حالة المؤمنة العفيفة وضوحًا في غير خضوع، إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] }، بدون زيادات أو مقدمات أو عبارات إعجاب أو لفظة ثناء.
ويجيء موسى معها إلى أبيها كما يجيء الكرام، قال عمر وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم: (إن موسى لما جاء معها تقدمت أمامه لتدلّه الطريق، فقال لها: كوني ورائي، فإذا اختلف عليّ الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه) . [2]
إنها الأمانة في أعلى مراتبها وأرفع منازلها.
أما الرجل الصالح الذي يهتدي بنور الله فإنه يدرك أنه وإن كان الناس لا يعرفونه إلا أنه لا يغيب لحظة عن نظر الله وعلمه وإحاطته، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْء عِلْمَا [الطلاق:12] }.
جاء موسى إلى الرجل الصالح فقصَّ عليه قصته فهدَّأ من روعه، وقال له: لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] }، فأنت في مأمن مما تخاف، وما أحوج الداعية المطارد إلى من يطمئن فؤاده ويهدّئ من روعه ويهيئ له مكانًا آمنًا يأمن فيه على نفسه ودعوته.
ثم تطلب إحدى البنات من أبيها أن يستأجِر موسى عليه السلام لرعي الغنم، ولعلّها وأختها تعانيان من مزاحمة الرجال على الماء فتتأذيان من ذلك كله، وتبغيان القرار في البيت، الشيء الذي يضفي على المرأة الستر والحياء، في وقت تتسابق فيه النساء إلى الخروج لحاجة ولغير حاجة، (( وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ ) ) [3] ، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأَبَتِ اسْتَجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَجَرْتَ الْقَوِىُّ الامِينُ [القصص:26] ، القوة والأمانة ركنان للولاية لا يتم صلاحها إلا بهما.
(1) - تفسير ابن أبي حاتم (15752) صحيح موقوف
(2) - تفسير الطبري - (ج 19 / ص 564)
(3) - سنن أبى داود (567) صحيح