والله تعالى يحفظ رسوله موسى وأخاه هارون _ عليهما السلام _ ويحوطهما بعنايته ويحرسها بعينه التى لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلات والآيات تقوم على يدي موسى شيئاُ فشيئاُ، ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب، ومما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله. وما نريهم من آية إلا هى أكبر من أختها [الزخرف:48] .
وصمم فرعون وملؤه - على التكذيب بذلك كله .. حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد وأغرقهم في صبيحة واحدة: فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. [1]
*- لقد تعمد فرعون قتل أبناء بني إسرائيل، لأنه بلغه أن غلامًا منهم سيولد ويكون هلاك ملك مصر على يديه، فانزعج لذلك وأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل حذرًا من وجود هذا الغلام - ولا يغني الحذر عن القدر -.
ومع حرص فرعون وطغيانه وجبروته فقد قدر الله أن يولد موسى عليه السلام في السنة التى يقتل فيها كل مولود لبنى إسرائيل. وأن ينجو من بأسه وقتله وقد حزنت أمه حين حملت به خوفاُ عليه، وحين وضعته. واستمر الخوف يلاحقها حتى أوحى إليها أن ترضعه، فإذا خافت عليه فلتضعه في صندوق ثم تلق به في البحر وسيحفظه الله ويرده إليها: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} (7) سورة القصص.
وأمواج البحر قد بدأت تقذف بتابوت الرضيع موسى عليه السلام ذات اليمين وذات الشمال حتى أوصلته إلى بيت فرعون.
وكأن الله تعالى أراد - فيما أراد - أن يظهر عجز فرعون وضعفه أمام قوة الله الجبار وقدرته.
فإذا كان فرعون يقتل الغلمان من أجل هذا الغلام. فها هو الغلام يولد. ويسلم من القتل رغم المتابعة الدقيقة، فإذا سلم ووصل إلى بيت فرعون دون عناء أو بحث، فهل يستطيع الملك الطاغية أن يقتل غلامًا مازال في المهد؟
(1) - تفسير ابن كثير 4/ 220 و 221