يعرف الله -فضلا على أن يكون رسول الله - أن يتخذ اسم الله وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس: (قالوا: أتتخذنا هزوا ?) .
وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ بالله ; وأن يردهم برفق , وعن طريق التعريض والتلميح , إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق جل علاه ; وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر الله , لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه: (قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) . .
وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم , ويرجعوا إلى ربهم , وينفذوا أمر نبيهم. . ولكنها إسرائيل! نعم. لقد كان في وسعهم - وهم في سعة من الأمر - أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها , فإذا هم مطيعون لأمر الله , منفذون لإشارة رسوله. ولكن طبيعة التلكؤ والالتواء تدركهم , فإذا هم يسألون: (قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ?) . . والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئا فيما أنهى إليهم! فهم أولا: يقولون: (ادع لنا ربك) . . فكانما هو ربه وحده لا ربهم كذلك! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه! وهم ثانيا: يطلبون منه أن يدعو ربه ليبين لهم: (ما هي ?) والسؤال عن الماهية في هذا المقام - وإن كان المقصود الصفة - إنكار واستهزاء. . ما هي ? إنها بقرة. وقد قال لهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة ولا سمة. بقرة وكفى!
هنا كذلك يردهم موسى إلى الجادة , بأن يسلك في الإجابة طريقا غير طريق السؤال. إنه لا يجبههم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي. . إنما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلم المربي من يبتليه الله بهم من السفهاء المنحرفين. يجيبهم عن صفة البقرة: قال: إنها بقرة لا فارض ولا بكر , عوان بين ذلك. .
إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة , وسط بين هذا وذاك. ثم يعقب على هذا البيان المجمل بنصيحة آمرة حازمة: (فافعلوا ما تؤمرون) . .
ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية ; وكان حسبهم وقد ردهم نبيهم إلى الجادة مرتين , ولمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقي. أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم , لا عجوز ولا صغيرة , متوسطة السن , فيخلصوا بها ذمتهم , وينفذوا بذبحها أمر ربهم , ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق. . ولكن إسرائيل هي إسرائيل!