فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 420

لقد راحوا يسألون: (قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ?) . .

هكذا مرة أخرى: (ادع لنا ربك) ! ولم يكن بد - وقد شققوا الموضوع وطلبوا التفصيل - أن يأتيهم الجواب بالتفصيل: (قال: إنه يقول , إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين) . .

وهكذا ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار - وكانوا من الأمر في سعة - فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن بقرة. . مجرد بقرة. . بل عن بقرة متوسطة السن , لا عجوز ولا صغيرة , وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها ; وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء: (تسر الناظرين) . . وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة ; فهذا هو الشائع في طباع الناس: أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا , وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا.

ولقد كان فيما تلكأوا كفاية , ولكنهم يمضون في طريقهم , يعقدون الأمور , ويشددون على أنفسهم , فيشدد الله عليهم. لقد عادوا مرة أخرى يسألون من الماهية: (قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) . .

ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل: (إن البقر تشابه علينا) . .

وكأنما استشعروا لحاجتهم هذه المرة. فهم يقولون: (وإنا إن شاء الله لمهتدون) . .

ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيدا , وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصرا وضيقا , بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة , كانوا في سعة منها وفي غنى عنها: (قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث , مسلمة لا شية فيها) . .

وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر. صفراء فاقع لونها فارهة فحسب. بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع ; وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة.

هنا فقط. . وبعد أن تعقد الأمر , وتضاعفت الشروط , وضاق مجال الاختيار: (قالوا: الآن جئت بالحق) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت