فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 420

الآن! كأنما كان كل ما مضى ليس حقا. أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة! (فذبحوها وما كادوا يفعلون) !!

عندئذ - وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف - كشف الله لهم عن الغاية من الأمر والتكليف: (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها , والله مخرج ما كنتم تكتمون , فقلنا: اضربوه ببعضها. كذلك يحيي الله الموتى , ويريكم آياته لعلكم تعقلون) . .

وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة. جانب دلالتها على قدرة الخالق , وحقيقة البعث , وطبيعة الموت والحياة. وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة:

لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة. . لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم ; ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه. ولم يكن هناك شاهد ; فأراد الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته ; وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه , وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح. . وهكذا كان , فعادت إليه الحياة , ليخبر بنفسه عن قاتله , وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله ; وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين.

ولكن. فيم كانت هذه الوسيلة , والله قادر على أن يحيي الموتى بلا وسيلة ? ثم ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث ?

إن البقر يذبح قربانا كما كانت عادة بني إسرائيل. . وبضعة من جسد ذبيح ترد بها الحياة إلى جسد قتيل. وما في هذه البضعة حياة ولا قدرة على الأحياء. . إنما هي مجرد وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله , التي لا يعرف البشر كيف تعمل. فهم يشاهدون آثارها ولا يدركون كنهها ولا طريقتها في العمل و: (كذلك يحيي الله الموتى) . . كذلك بمثل هذا الذي ترونه واقعا ولا تدرون كيف وقع ; وبمثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر.

إن المسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة هائلة تدير الرؤوس. ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير. . كيف ?. . هذا ما لا أحد يدريه. وما لا يمكن لأحد إدراكه. . إن إدراك الماهية والكيفية هنا سر من أسرار الألوهية , لا سبيل إليه في عالم الفانين! وإن يكن في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بها: (ويريكم آياته لعلكم تعقلون) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت