حتى زوجتى عند عودتها من أبوظبى إلى مطار بشاور، تعرضت للمساءلة والإستجواب
والتأخير وهو ما لم يحدث مطلقًا قبل ذلك.
وكنت قد فعلت ما يفعله أى زوج مثالى بأن سلمتها كل ما معى من الأموال قبل سفرها من أبو
ظبى. وكنت وقتها غنيًا على غير العادة بعدما تمكنت بعد نضال دام ما يقرب من ثلاث
سنوات من إستلام باقى مستحقاتى من جريدة الإتحاد، التى قامت بتجميد مستحقاتى منذ إغلاق
مكتبها في إسلام آباد، وحتى تستلم تقريرًا من سفارة الإمارات هناك بتصفية المكتب رسميًا
وأن كل الموجودات قد تم توريدها بدون أي إختلاسات.
لقد عدنا مرة أخرى إلى حى"بشاور مور"المزدحم نسبيًا والقريب من سوق الأحد الإسبوعى
وخلف الشارع الرئيسى المزدحم بالمطاعم ومحلات الخضار والبقالة. لقد سكنا في نفس الحى
عندما حضرنا إلى باكستان لأول مرة وأحببنا المنطقة وتعودنا عليها.
والأولاد الصغار عاثوا في المنطقة بكل ما أعانتهم عليه شقاوات الطفولة، وتسبب لنا ذلك فى
عدد من المشاكل الصغيرة التى إنتهت دومًا بإكتساب مزيد من الصداقات ولأطفالنا المزيد من
الشعبية، وبالذات"خالد"الذى كان وقتها، بالنسبة لأصحاب المحلات والدكاكين، أشهر من
الرئيس ضياء الحق.
لذا عندما ظهرنا مرة أخرى في المنطقة تسابق هؤلاء على سؤال إبنى وليد عن أخيه خالد،
وعندما أخبرهم أنه قد إستشهد في أفغانستان كانت صدمة للجميع، حتى أن بعضهم قد بكى.
كنت سعيدًا بعودتنا للسكن مرة أخرى في إسلام آباد، فقد كنت أحب كثيرًا تلك البلدة الجميلة
التي بنيت في غابة خضراء زاحفة من الجبال.
وفى المقابل كنت أكره مدينة بشاور منذ رأيتها لأول مرة، وحتى آخر يوم في حياتى، ولا
أظننى كنت مخطئًا في ذلك، وثبت صحة حدسى بأن تلك المدينة تخفى بين طياتها من الشرور
مالا يعلم مداه إلا الله.
ولكننى سريعًا ما أدركت أن الظروف السياسية قد تغيرت بحيث أصبحت إسلام آباد لا تقل سؤًا
عن بشاور. ولم يكن من الفأل الحسن أن أضطرت زوجتى، قبل حضورى، إلى الإستعانة
بالشرطة لأجلاء بعض النساء من أقارب مالك البيت وقد حاولن فرض تواجدهن لمدة من
الزمن بدعوي أن البيت، وقد دفعنا أجرته مقدمًا لمدة عام، هو أكبر من إحتياجاتنا الفعلية!!.