الأربعاء 12 سبتمبر 1990
هذا هو اليوم الأول الذى أصبح فيه إسم مطارنا العتيد هو"المطار القديم"ذلك بعد ظهور ما
يسمى"المطار الجديد"الذى تحولت إليه الأنظار والأفكار. فنظرت إلى مدرج"مطارنا القديم"
وهو يلمع كعادته وقد تناثر حوله الحطام، فشعرت بشئ من الرثاء، من ذلك النوع الذى شعر
به محارب صرع قرينه فأصبح ممددًا تحت قدميه، ورغم العداء فإنه يشعر تجاهه بالأسف
والاحترام، على الأقل لكونه عدوًا صلبًا باس ً لا.
لقد إنتهت اليوم ست سنوات من العداء بيننا وبين ذلك العملاق اللامع الممدد، والذى نزف حتى
الموت حطام طائرات وجثث جنود، وأطنان ذخائر إنفجرت داخل صناديقها.
لم أنس ولو للحظة واحدة عملياتنا الأولى والبدائية ضد ذلك المطار، ولم نكن نطال يومها
غير حافته الشرقية، حيث عملت"راجمة عثمان/ رقم 9"، ولم نكن نستطيع أن نرمى أكثر من
صاروخين في اليوم الواحد، ولكننا كنا نتمكن من إغلاقه أما لعدة ساعات أو ليوم كامل.
أيامها كنا نضحك كثيرًا كأطفال تلهو. ويشدو عبد الرحمن بنداءات الباعة المتجوليين فى
حوارى الاسكندرية"حلاوه يابو اسماعين حلاوه"يقولها وهو ينظر إلى المدرج اللامع وقد
صار قفرًا بعد أن أرعب صارخنا اليتيم كل من فيه من جنود ومنع الطائرات من إرتياده.
(ماذا لو كان عبد الرحمن معنا الآن؟) رددت نفس السؤال للمره المليون. ماذا لو رأى هذا
العملاق وقد أجهزنا عليه بألف ومئتى صاروخ دفعة واحدة. هى مجموع ما إستخدمناه فى
عمليتنا هذه"مشروع المطار"؟.
فى ذلك العام البعيد 1985"رمضان 1405 ه"كنا نعود إلى معسكرنا بعد العصر منهكى
الأجساد، لكن أرواحنا تشع قوة وحيوية، ونحن مازلنا نشدو بأغانى"أوبريت الليلة الكبيرة"،
وقد حولناها إلى موضوع المطار، وأصداء الأهازيج ترددها معنا الجبال"قبه سيدنا الوالى"
دول نوروها .. محلا الصواريخ لما يطيروها"."
مع عبدالرحمن كانت الحرب لعبة من ألعاب الطفولة، لعبة مليئة بالدهشة والمرح، مع
روحانات دينية عالية ومتفائلة.
فى هذا العام تحديدًا كانت إنتصارات المجاهدين أشمل وأكبر ولكن الحزن أصبح هو المزاج
العام. ننتصر بحزن ونفرح بحزن ونضحك بحزن، نبكى ونقنت، نبكى ونسجد شكرًا ..