بقوانين السلامة والبعد عن مواطن الخطر أثناء تحرك الموكب الذى قد يشمل عشرات
المركبات التى تحمل الرجال المسلحين في موكب مهيب متوتر بين عناق وداع وتكبيرات
وأمل غامض وقلق مكتوم فالعديد منهم قد تكون رحلته تلك هى أخر جولاته في الجهاد
وفراقه الأخير للزوجة والأولاد والأهل.
كانت الأم الكبيرة الأكثر نشاطًا وحيوية بين كل هؤلاء وكأنها الروح الخفية التى تحرك وتدفع
، وبقامتها النخيلة المنحنية قلي ً لا إلى الأمام وملامحها الطيبة الحازمة تدفع كل شئ نحو الحركة
السريعة المنضبطة، ترمق أبنائها وجميع الرجال بعطف الأم الحنون وحزم المربية التى لا
تسمح بالضعف أن يتسرب إلى النفوس ناهيك أن تنطق به الملامح.
وكثيرًا ما ودعتنى ودعت لى أيضًا عندما شاركت في بعض تلك الحملات، وكانت تنطق
أسمى مجردًا"مصطفى"مشفوعًا بكلمات كثيرة لا أفهم منها شيئًا ولكننى كنت أفرح وكأن
أمى أطلت علي بوجهها لتودعنى وداعًا أخيرًا.
بعد ذلك كنت أتعمد مراقبتها أطول فترة ممكنة، وكانت عينى تدمع مرات كثيرة، من هيبة
الوداع والرجال الذاهبون إلى الموت والأم الصلبة التى تدفع أبنائها نحو الواجب والرجال
المتضاحكون المكبرون وقد جاشت صدورهم بإنفعالات شتى متضاربة.
كانت سيارتى هى الأخيرة في الموكب، وكنت أتعمد ذلك أحيانًا حتى أشاهد الأم وأرى ماذا
ستفعل بعد ذهاب الموكب بفلذات أكبادها، والرجال الذين أحبتهم وأحبوها كصانعة أبطال وأم.
مع بداية تحرك الموكب كانت ترفع كفيها المعروقتان نحو السماء وقد تعلقت مسبحتها الطويلة
بكفها الأيمن وتبدأ في دعاء طويل لاينقطع حتى تغيب السيارة الأخيرة علي ناظريها.
ثم دمعت عيناها وطفرت منهما دمعتان ثم إستدارت نحو باب بيتها تدفع الأطفال أمامها وتغلق
الباب.
كان غريبًا جدًا أن أراها تبكى وكأننى نسيت أنها أم وكأننى نسيت أننى قد بكيت أكثر منها أثناء
المشهد المهيب لتجهيز الوفد وتحركه.
كنت أتحرك بعد ذهابها نحو سيارتنا المنتظرة في مكان بعيد، حامدًا الله أنها لم ترانى متخلفًا
عن الركب الذى مضى، وإلا نالنى من عصاتها ضربة على الرأس أو الظهر. وكنت أظن أن
علاقتي القديمة بالأسرة والمنطقة ما كانت لتعفينى من عقوبة التقصير في مرافقه الرجال إلى