فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 441

الجهاد، فالأم الكبيرة لاتحابى أحدًا في الحق مهما كان.

** دخلت الأم على كرسيها المتحرك إلي غرفة داخل البيت حيث كان إبنها إسماعيل

يغسل ويكفن فأشرفت بنفسها علي ذلك رغم أنها فعليا في حاله إحتضار، وبعد أن فرغت من

مهمتها أشرفت على إخراج جثه إبنها ووضعها في غرفة واسعة حتى يراه الأقارب وأفراد

الأسرة في وداع أخير.

خرج إسماعيل متكفنًا بالبياض وقد كشفوا وجهه الأبيض وقد إزداد تألقًا وإشراقًا، حتى بهر

أعين مودعيه وهى سمة الشهداء، و كأنهم يطمئنون من خلفهم أنهم أسعد حا ً لا بالشهادة

والرحيل، منهم بالبقاء مع الاطفال والأهل. لقد أحاطوا وجهه بالورود والأزهار كما هى العادة

ودخل أطفاله الخمسة وزوجته لوداعه قبل أن يتوافد الرجال والنساء، وجلست الأم الكبيره علي

كرسيها المتحرك قريبًا من باب الغرفة وهى متصلبة الجسد جامدة الملامح حتى جاءت

زوجتى ووقفت إلي جانبها، فنادت عليها الأم الكبيرة بدون أن تنظر نحوها (وفا .. وفا)

فأقتربت منها زوجتى وإحتضنتها، فمالت الأم الكبيرة برأسها على كتف زوجتى وإنتحبت بشدة

فجاء أبناؤها ورجوها أن تسكت حتى لا يفلت زمام النساء وينطلق النواح فإستجابت لهم.

وكان حقانى وإخواه إبراهيم وخليل يكافحان بشده لمنع النساء من الندب والنواح، وإستعانا

بزوجتى، كقوة طوارئ، لتهدئة النساء الآتى يبكين حزنًا أو مجاملة ومراعاة للتقاليد.

كان منظر زوجتى يثير الأسى ويدفع إلى البكاء، فالدمع يهطل من مقلتيها كأمطار الشتاء،

فجروحها لم تندمل وقبر أبنها خالد يقع على بعد أمتار منها، والأحزان الجديدة من حولها

أهاجت أحزانًا لم تنطفئ نيرانها بعد.

لقد طحنها الإرهاق والحزن معا حتى صارت تتحرك مثل آلة محطمة تقطع أمتارها الأخيرة

نحو الإستيداع بعد رحله شاقه مهلكة. ومع ذلك نجحت بشكل باهر في كبح جماح النادبات

وهو أمر يستحيل حتى على مؤسسة دولية. والغريب أن يحدث ذلك وهى لاتتكلم لغتهم بل

تخاطبهم بمزيج من لغات متعددة إضافة إلى أصوات إبتكرتها لتؤدى معانى مجهولة حتى لديها

ولم تستطيع هى أن تفسر لى س ? ر نجاحها في مهمتها المستحيلة، والأرجح عندى أنها بلغتها

المبهمة تلك ودموعها المنهمرة بغزارة خارج السيطرة البشرية، مع صوتها المنهك المتهدج قد

أثارت شفقتهم، وربما خوفهم أيضًا، فشعروا أنهم أمام مأساة مجسمة أنستهم المصيبة التى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت