ولكن هنا يقول الشيخ وهذه منه عظيمة، يقول بأنّ الثقافة هي سرّ كامن في نفس الأمّة. كأنّه يقول ينشأ مع لبانتها. عندما يرضع الابن من أمه اللّبن يرضع معه الثقافة. لأنّ الثقافة ليست مجرّد كلام، هي مشاعر خفيّة في النفس، وتسري في مجموع هذه الأمة.
ما الذي يحيط هذه الثقافة بالحفظ؟ هو دينها. وأريد أن أنبّه على نقطة نعمّمها في كلام الشيخ، لماذا انشغل شعراء الشعر الحديث بالمصطلحات اليونانية والنصرانية أكثر من كلمة الصلب_الخطيئة كما هو يذكر، ولكن لا يعرّج على هذا. لماذا أكثر الحداثيين سواء كان من زمن بدر شاكر السيّاب إلى غيره إلى صلاح عبد الصّبور إلى آخره، ما من شاعر وما من شاعر حداثي إلّا ويرى أنّه لا يستطيع أن يكون شاعرًا حداثيًا؛ حتّى يستخدم، قمامات الأمم الأخرى في ثقافتها ودينها! لا بد من الخطيئة، لا بدّ من الصلب.
وانظروا إلى شاعر وهو إمام من أئمتهم يسمي نفسه أدونيس. وهو اسم يوناني مأخوذ من ثقافة اليونان الشركية الّتي لا تمت بالإسلام بصلة.
هذه ثلاثية الشيخ ينهض لها. يقابلها ثلاثية الحرب المتمثلة بالاستشراق والتبشير والاستعمار. هذا ما يشرحه الشيخ.
إذًا هو يريد منّا أن نلتفت إلى هذه المعركة؛ لأنّها معركة الأمة.
إذًا أوّلًا، مقاصد هذا الكتاب أنّه يعرفنا على معركة عظيمة لا يدركها العوام، ولكن يدركها هؤلاء حراس اللغة والثقافة والدين. ومن يحرس ثقافة الأمّة إنّما يحرس دينها، ومن يحرس لغتها إنّما يحرس ثقافتها.
ولذلك هذه تنشئ لدينا قضيّة أخرى أريد أن أقولها؛ حتّى أعمّم ما أقوله في الابتداء في هذه النقطة. ولذلك أحسن حارس المغارة -وهو الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، الذي لم يستطيع في زمانه أحد ممّن توسّد الكلام في اللغة أن يتكلّم في الدين بأسلوب أدبي حتّى مات. حتّى العقّاد لم يستطع أن يكتب كتبه فيما يسمّى العبقريات، حتّى مات مصطفى صادق الرافعي. كأنّهم كانوا يخافون أن يقتربوا من هذه المغارة الّتي يحرسها هذا الجبل وهذا المحارب.
ولم يستطع طه حسين أن يكتب شيئًا في الدين، إنّما أراد أن يكفّر شيئًا عن سيئاته لمّا كتب وبئس ما كتب ما يُسمّى على هامش السيرة. بدأوا يكتبون هذا بعد وفاة الأستاذ مصطفى. وهذا الرجل العظيم وهو أستاذ من أساتذة أستاذنا شاكر، هذا لمّا تكلّم عن معركة اللغة والشعر القديم والشعر الحديث سمّى كتابه تحت راية القرآن؛ ليقول للناس إن معركة اللغة هي معركة القرآن.