فقراءة الخصوم تصنع لديك من المنارة والثّقة بما معك من الحقّ. هذه التي قالها ابن حزم في القرن الخامس الهجري قالها ابن تيمية رحمه الله عندما جاء إلى قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} قال ابن تيمية في بعض معاني هذه الآية العظيمة:"إنّ وجود الأعداء للأنبياء هو مصدر نصرهم. ومن أجل أن ينصر الله أنبياءه أوجد أعداءه!".
إذًا وجود الأعداء هو الذي يحقّق النصر، ولولا وجود الأعداء لما تحقّق النصر، فكأنّ الحقّ يحتاج إلى عدوّه الّذي يناكفه ويثوّره ويعاديه؛ من أجل أن يظهر الحقّ وأن ينتصر.
هذان القولان لعالمين جليلين، نظر أحدهما إلى حاله فقال لنا النّصيحة الذهبية، والآخر نظر إلى آية في كتاب الله فأخرج منها مكنونًا ذهبيًا عظيمًا كما ترون. {هَادِيًا وَنَصِيرًا} فالهداية لا تتبيّن إلا بوجود العدو، والنّصر لا يتبيّن ولا يظهر ولا يكون إلّا بوجود العدو.
ولذلك لا بدّ من القراءة للأعداء، والقراءة للأعداء تصنع عبادة؛ لأنّها تقوّي. ما الذي عندكم؟ فعندما تقرأ هراءهم، فسادهم، جهالتهم؛ فإنّك تزداد ثقة بما معك من العلم، وتزداد ثقة بما معك من الهدى، وتزداد ثقة بما معك من الحقّ.
أعود لشرح القضيّة الأولى: ما من قراءة تقوم بها يا أّيها المسلم إلّا وينبغي أن تقدح في ذهنك: تسبيحًا، حمدًا، تعظيمًا، توحيدًا لله -عزَّ وجلَّ-. عليك دائمًا أن تربط هذه القراءة الّتي بين يديك في الكتاب، التفكّر، السّماع، عليك أن تربط هذه القراءة بالله -عزَّ وجلَّ-، وكيفية تقوية هذه العلاقة مع الله وتعبّدك له، تقوّيها من خلال ما تقرأ، حتّى لخصوم دينك! حتّى لخصوم الهدى الّذي تحمله!
وأنا دائمًا هذه الصورة أمامي، ولو استعرت بعض العبارات من الآخرين؛ لقلت لكم كأنّ القراءة لديّ أراها دائمًا. إنّني أرى كل قراءة، كأنّني أمام لوحة مكتوب فيها الأربع كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. هذه اللّوحة كيف تشكّل هذه الكلمات؟ تشكّلها من خلال ضوء صغير.
تعرفون اللوحات الكهربائية تتشكّل من أنوار صغيرة، وهذه الأنوار الصغيرة مبثوثة، هنا نور وهنا نور، فإذا اجتمعت هذه على وفق ترتيب وهندسة متقنة، فحينئذ تنظر، فأنت بحاجة إلى هذه الكلمة؛ لتزيد جلاء هذه الصورة: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر.