لكن أين يقع الخطأ؟ يقع الخطأ في وضع الأنوار في غير محلّها. إذا الإنسان قرأ شيئًا ولم يوجد لديه هذا المعنى أو قد وُجد ضدّه، بمعنى أنّه اختلّ معلم من معالم الإيمان في نفسه بهذه القراءة، فما السبب؟ السبب هو أنّه لم يرتّب الأنوار ترتيبًا صحيحًا. مثل لوحة تقول عنها باللغة العربية"مخرّبشة"، لوحة غير متقنة؛ فإذا أنت وضعت هذا الضوء في مكانه الصحيح؛ ازدادت هذه اللوحة ألقًا، وضوءً، ونورًا. فعليك أن تنتبه لكيفيّة ترتيبها، وهذا قلنا عنه شيئًا سابقًا في جغرافية الفكر، فهذا يخدم هذه القضيّة. فعليك أن تضعها في موضعها الصّحيح.
ما من قراءة إلّا وتخدم إيمانك! وحتّى القراءة قلت لكم المعادية للدّين تصنع دينًا، وتصنع إيمانًا، وتصنع هدايةً. كما أنّ توجّه جيش الأعداء إلى حصن من حصون المسلمين؛ يصنع إيمانًا وجهادًا وعبادةً ودعاءً وثقةً بالله ووحدةً لجموع المسلمين، فيكون وجود الأعداء سببًا في تكوير معالم الإيمان في هذه القرية أو القلعة أو الحصن.
هذه الصّورة ينبغي أن نتذكّرها دائمًا، أنّ توجّه جيش من الأعداء لحصن من حصون المسلمين يصنع الخير: ترى جموع هؤلاء الناس يتوحّدون وهذا عمل إيماني، ترى الفقراء والمساكين يدعون إلى الله -وإنّما تُنصرون وتُرزقون بالضعفاء-، ترى النّاس يحصل فيهم الشهادة يموتون هذا اصطفاء واختيار من الله، وترى الناس يبذلون أموالهم، وهكذا يكون وجود الأعداء سببًا لتثوير معالم الإيمان في هذا الحصن.
وكذلك لو توجّه كلام شرّ وكلام شيطاني إلى قلب المؤمن؛ فيكون سببًا لتثوير معالم الإيمان، يذهبون لكتاب الله للرّد عليهم، يذهبون للتاريخ يقرؤون، يستغيثون بالله، وهكذا فيحصل من هذا الفساد في الأرض من الأعداء، الخير العظيم في هذا القلب الإيمانيّ بسبب هذه القراءة.
إذًا أنت انتبه لهذا! اذهب إلى الكتاب حتّى ولو كان من أعدائك. اذهب إليه؛ ليزيد إيمانك، ليزيد أنوار كلمة سبحان الله، أن تسبّح الله وأن تحمده، وأن تؤلّهه وأن تعظّمه، هذه الكلمات الباقيات الصالحات.
في داخل كلامنا الإشارة إلى أنّه ينبغي على المسلم، حتّى لا يخاف، أن يقرأ لأعداء الله. القدماء لم يكونوا يخافون من القراءة، والدليل أنّهم كانوا يقرؤون شعر الجاهلية وفيه ما فيه، قد يكون فيه الكفر، وقد يكون فيه الإباحية كما هو شعر امرؤ القيس، وقد يكون فيه الافتخار الجاهلي، وقد يكون فيه المدح للظالم، وقد يكون فيه الدعوة إلى الظّلم، وقد يكون وقد يكون، ولكنهم يذهبون إليه؛ ليستقوا منه ما يريدون من الخير، يذهبون فينزعون منه ما يريدون من الدسم، ويتركون ما فيه من السمّ.