المرء إما أن يُنتج إنتاجه المعرفي العلمي من خلال النص. وأنا أتكلم لكم عن تجربة، إذا أردت أن تبحث قضية ربما تتفجَّر هذه القضية في نفسك من خلال النص؛ وأنت تقرأ القرآن فتخرج معك هداياته وأنواره في قضية من القضايا التي تشغلك، وهذه قضية غالبة. وأنت تقرأ السنة تهديك وأنت تتفكَّر فيها تهديك إلى المعاني. وهذه الطريقة الأولى.
هناك طريقة ثانية أن التجربة تؤدي بك إلى هذه المعاني، فأنت تبحث عنها في الكتاب والسنة. بمعنى أن الفكرة تستقر لديك من خلال التجربة والملاحظة والاستقراء والنظر، فتُصبح لديك مَعْلَمًا علميًا لأنها ظاهرة متكررة وليس فقط لمجرد أنها نزوة. فأنت تبحث عن هذه القضية في الكتاب والسنة، وحينئذ يشترك عندك في أدلة هذا الأمر ما حصل لديك من التجربة والنظر والبحث والملاحظة في كتاب الله.
والطريقة الأولى طريقة عليها الكثير في هذه القضايا، ما يتعلق بقضية السلوك والحركة، لا نتكلم عن الفقه، نتكلم عن السلوك والحركة وإدراك السنن الإلهية في الاجتماع، والسنن الإلهية في الوجود.
وكثير من الناس يظن أن هذا هو المسلك القرآني. يعني أنت إذا ذهبت إلى جماعات إسلامية هم يحتجّون بالكتاب، ويظنون أن الكتاب يُقرِّر هذا المعنى؛ لأنهم يقرؤون الكتاب قراءة الأماني {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} يقرؤونه قراءة غير علمية وغير واعية. وهذا موجود.
أضرب لكم مثالًا: هذا الخطيب الذي يخرج للناس، هذا الشيخ الذي يتكلم، وهذا المحرِّض الذي يتصوَّر أن الكفار لا يقاتلون المسلمين إلا من وراء جُدُر. هذا رجل يقرأ القرآن ويستخرج منه فيما يظن أن قاعدة القتال مع الكافرين: أن الكافرين {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} . ويفسر هذا على أن هذه قاعدة الحياة في القتال بين المؤمنين وبين الكافرين. وهو لا يلتفت إلى قوله تعالى: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} وهذه صورة من صور القتال. فلو جاء رجل آخر ناظر لكتاب الله إلى هذه الآية لوجد أن قانون القتال بين المسلمين وبين الكافرين هو فقط مجرد أن تدخل عليهم وتحصل الهزيمة.
والآخر يأتي إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} لا وراء جدر ولا في قرى محصَّنة، هم يزحفون إلينا!