إذًا وُضعت نفسية الإنسان في القرآن مقابل الشرائع. لماذا؟ لأن الشرائع هي التي تقوّمها. وهذا رد على بعض المشايخ. هذه من مسائل الأصول أنا أنبه عليها لأهميتها. كيف؟ عندما سُئل بعض المشايخ لماذا تُجيز الموسيقى؟ فقال كيف أُحرّم الموسيقى ونحن ندعو الأفارقة أن يدخلوا في الإسلام، ولو قُلت للإفريقي إن الموسيقى حرام لم يُسلم، فالنتيجة أن نقول له أسلم والموسيقى حلال!.
هذا المنهج في الفتوى والدعوة إلى الله يخالف منهج القرآن. لما غيّر الله -عزَّ وجلَّ- القِبلة وكانوا يتوجَّهون إلى بيت المقدس ثم أمرهم أن يتوجهوا إلى مكة ماذا قال؟ {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} . إذًا الشرائع لم تُوضع من أجل موافقة الإنسان في هواه ولكن من أجل امتحان الإنسان في هواه. هذا جانب مهم في الأمر.
الجانب الآخر: نحن نرى أن القرآن يطرح الإنسان ويلوِّح له من أجل اتباع الشرائع من خلال شهوته؛ يقول له في الجنة هناك حور عين، في الجنة أكل وشرب، إلى آخره.
أول شيء لمعالجة شهوته، ولكنه كذلك يرفع له الشهوة من أجل أن يحقق المقصد، لكنها الشهوة التي ترتبط بالمقصد بعيدًا لا عاجلًا. ليست الشهوة التي يريدها الطفل، ولكن الشهوة التي يريدها العاقل وذلك بأن يدفع ثمنها عاجلًا من أجل أن يحققها آجلًا.
إذًا لماذا يكشف الله لنا الإنسان؟ يكشفه من أجل أن تعرفه فتعالجه. هو يريد كذا فعالجه بالشرائع، هكذا نزلت الشرائع، وكذلك أبقت له الفطرة التي كُوِّن عليها فلم تُلغها؛ هو يحب النساء {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} هل قال له لا تتزوج على طريقة القطع؟ لا، ولكنه جعلها فتنة وابتلاءً فقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي ذكرناه في الدرس الفائت: (ما تَركتُ بَعدي فِتنَةً أضرَّ على الرجالِ منَ النساءِ) ، إذا خرجت عن حدها، إذا تجاوزت. فإذًا ذُكرت من أجل علاجها.
وكذلك من أجل تمريرها بطريقة الشريعة. وثانيًا وهو المهم أنها رُفعت في آخر الناصية لتشُدَّك إلى العمل.
إذًا هذه القضية في معرفة الإنسان ينبغي أن تكون في موضع خطورة شديدة، كيف توفق بين علاجه وبين إعطائه هذه الشهوة بمقدار، وبين أن تنصُبَها مقصدًا له في آخر المقام. هذا هو غذاء القرآن للإنسان. ومن أجل ذلك يكشف الله -عزَّ وجلَّ- الإنسان لهذا الأمر. هذا هو علم النفس، كيف نقرأ الإنسان من أجل أن نتعامل معه.