هناك فرق بين الإعذار بسبب عدم القدرة، في موطن واحد القرآن كأنك تراه يتحدث عن الإعذار وعدم الإعذار كما في سورة النساء. ومع ذلك القرآن لما يتحدث عن المتبوعين يوم القيامة لا يعذرهم أبدًا، ويسميهم ابن القيم في كتابه (طريق الهجرتين) عندما جاء إلى طبقات المُكلَّفين في آخر الكتاب: يسميهم الحمير، حمير البشر وبهائم البشر. وهم الذين يتبعون أسيادهم على الكفر والشرك لمجرد الغفلة والجهل أو لمجرد الدنيا. {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} .
في سورة إبراهيم قبل أن يذكر ربنا -سبحانه وتعالى- خطبة إبليس في النار، هذه كلمة ابن كثير -رحمه الله-، وأنا شرحت هذه الخطبة في مجلة (نداء الإسلام) القديمة وتحت باب (مع أحسن الحديث) . قبلها قال: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} فما الجواب؟ {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} نحن وإياكم مصيرنا واحد.
فدلّ على أن اتباع هذا الملأ -الذي سماه القرآن وأفاض في ذكره- أمام هؤلاء الجهلة ليس لهم عذر يوم القيامة.
في سورة سبأ كذلك: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} نظرية المؤامرة الآن تبين في السورة. {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
فقضى الله -عزَّ وجلَّ- أن الأتباع والمتبوعين في باب واحد، وعلى حال واحدة من العذاب، مما يدل على أن التابع للكافر في الشرك ليس معذورًا.
في سورة النساء ذكر الله -عزَّ وجلَّ- أقوامًا اعتذروا بالاستضعاف لما قال -سبحانه وتعالى-: {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} فلم يعذرهم. ثم بعدها يقول -سبحانه وتعالى-: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} فدلّ على أن هناك فرقًا.