النظرية الشيوعية ترى أن الجماهير هي التي تستطيع أن تصنع الحضارات، وهي التي تستطيع أن تغير.
فما هو الموقف الصحيح في هذا؟ إذا أردنا أن نستلهمه فنقول بأن القرآن دائمًا يُقدِّم الحق بصورة الرجل وهو النبي.
وهذا النبي يدعو، وأعظم نموذج في قضية التغيير هو نموذج النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقبله أعظم نموذج تاريخًا هو موسى -عليه السلام-. موسى هذا رجل عظيم، إمام نبي مُسدَّد مهدي، ومع ذلك لم يستطع أن يُحقق مَقصد التغيير والانتصار عندما وقف أمام الأرض المقدسَّة. وهذا لتخلِّي الأمة عنه وتخلي الجماهير عنه. {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} .
هو لم يستطع أن يحقق وهو نبي عظيم، ولا يفقد هذا النبي ما يُسمى اليوم"كاريزما القيادة"، هل هذا لعجز منه في قدراته؟ هل فقد موسى القدرات لهذا؟! الجواب: لا. وهذا دليل على أن التغيير الأعظم لا بد له من وجود قائد فذّ.
ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها) . العلماء لما قرؤوا التاريخ كان يمكن حصر المجدِّد في شخص في وقت من الأوقات، لكن بعد ذلك وجدوا أن التغيير يحصل من خلال شخوص متعدّدين لما توسَّعت الأمة وكثُر مجال الانهيار فيها. يعني في زمن عمر بن عبد العزيز كان الانهيار في المؤسسة السياسية، فأصلحه، فيُمكن هذا. الشافعي في المؤسسة العلمية والخلاف الذي حصل أصلحه، لكن لما يكون الخرق من كل باب فلا بد من وجود رجل في كل باب، فوزَّعوا قضية المجدِّد.
ولكن على الجملة إن الفرد ضروري لأن القرآن يطرحه، ولكن التغيير لا يتم إلا من خلال جموع تتبع هذا الإمام، وهذا الأمير، وهذا القائد الفذ. هذه لا بد منها، مع قضية مهمة نبّهنا عليها: أن القائد الفذ هو الذي لا يُلغي الجموع وراءه؛ لأن هذا ليس من الحكمة. والنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نبي، من الذي وراءه؟ لا يعدلونه شيئًا، ووُزن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمئات الآلاف من أمته فوزنهم، ومع ذلك لما ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه استطاع الواحد من هؤلاء أن يقود أمة إلى التغيير.
فإذًا القائد هو الذي يصنع التغيير ولكن لا بد من وجود الجماهير وراءه.