هل هناك طرف وسيط بين القائد والأمة؟ الجواب: نعم، النُّخبة. ونستطيع أن نقرأ هذا في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} أين هذه الأفواج في أعظم حكمة دعا بها نبي هو رسولنا - صلى الله عليه وسلم - في مكة، لماذا لم يتَّبعه إلا القلائل؟
في (صحيح البخاري) عدد المهاجرين الذين شاركوا في بدر لا يزيدون عن ثمانين شخص. مع الغائبين والنساء مائة وعشرين شخصًا. يعني كل الذين هاجروا من مكة خلال ثلاثة عشر سنة استجابوا لدعوة النبي مائة وخمسون شخصًا. بالكلمة، والحكمة، والبيان، والبرهان، والكلمة البليغة التامة الكاملة المؤسَّسة على كل قواعد الحق ووسائل الحق، ومع ذلك لم يستجيبوا.
وكانت العرب ترتقب من يغلب قريش أم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما غلب النبي - صلى الله عليه وسلم - قريشًا ودخلت مكة في الإسلام دخل الناس في دين الله أفواجًا وجاءت الوفود.
فلما ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الجموع ماذا حدث فيها؟ رأينا رِدَّة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كلها ظنّت أن موضوع الإسلام قد ذهبت قوته. هل ذهب حقًا؟ هل هم راقبوا الحق أم راقبوا القوة؟
إياكم أن تسمعوا لهذه الدعوات:"يجب فقط أن يكون مع كلمة"، هذه لا تُغيِّر، الذي يصنع التغيير: الكلمة مع القوة. والذي يُحقِّق للكلمة وجودًا هو القوة. وهذا مهم جدًا ليُقيّد ما قلناه؛ لأن بعض الناس قال:"الفكرة عندما تتحول إلى مؤسسة"، فظنّ البعض أن الفكرة يجب أن تبقى بعيدًا عن موطن الجماعة التي تدعو إليها. هذا ليس في قضية الحق والإيمان، بل لا بد في قضية الحق والإيمان من قوة وجماعة تحميها.
وإلا بعد ذلك فالكلمة تبقى في إطار دعوة الأنبياء، يستجيب لك خمسون، بل قد جاء في الحديث (فجعلَ النَّبيُّ يجيءُ ومعَهُ الثَّلاثةُ من قومِهِ، والنَّبيُّ ومعَهُ العِصابةُ، والنَّبيُّ ومعَهُ النَّفرُ، والنَّبيُّ وليسَ معَهُ أحدٌ مِن قومِهِ) ، هذه الكلمة. ولكن إذا أردت للحق أن يكون له سلطان في الأرض لا بد له من قوة. لا بد له من قوة يعني لا بد من جماهير. وهذا الذي نحن في صدده.
إذًا لا بد من الجماهير، لا بد أن نعتني بها، وأن نراقبها، وأن نعرف ما الذي يُحرّكها وما الذي لا يحرّكها. وهذا ضمن مجالات الجهاد والصراع بين الإسلام والجاهلية، وهو من الذي يستطيع أن يستخدم الجماهير. وإلا فالجماهير الفكرة بعيدة عنهم، والموضوع العلمي يُتعبهم ولا يريدونه، وهذا مما يقرره غوستاف لوبون وواقع التاريخ يشهد به.