فلذلك إذا جاء، إمّا أن تمسك الكتاب وتضعه وهذا حتى يبقى أثره؛ لأنّ الكتاب يصنع حالة من الغمامة عليك، يعني أنت لا زلت تعيش معه، لا زلت تعيش مع آثاره، مع روائحه، مع ما يقول ومع ما يتكلم، ومهما خرجت فإنّك تحتاج إلى وقت من أجل أن تخرج من الحالة التي أنت فيها. ولذلك فهذه من الجنايات، وهذه في الحقيقة من أسوأ ما وجدت. وأنا أتمنّى ألا يُزار أحد وهو يقرأ، وإذا دخل أحد تحتاج إلى أن تذهب وتتوضأ وتستعيذ بالله من الشيطان.
أما أعظم جناية فهي عند أهل العلم أنّ الكتاب عند بعض النساء كالضرائر. وقلت لكم سابقًا أنّ بعض النساء حرقن مكتبة أزواجهن، ترى الرجل طول النهار مع الكتاب فهي تظنّ أنه يعشق الكتاب أكثر منها فتغار، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه عبد الرزاق في مصنفه بسند مرسل: (إن الغيرة لا تعرف أسفل الوادي من أعلاه) [1] . يعني المرأة الغيورة لا تفرق بين أسفل الوادي من أعلاه.
ومن جنايات القراءة إنفاق المال الكثير على القراءة، حتّى أنّه يضيّع الكثير من واجباته. وهذه لا تُسوّء صورة القراءة ولكن ينبغي أن تصنع التوازن، ينبغي للمرء أن يكون ذكيًا لصنع التوازن.
من أعظم جنايات القراءة التي أتمنّى أن أكررها في كل جلسة: إيّاك أن يبتلعك الكاتب.
جنايات القراءة كجنايات الأفلام.
قرأت في الصحف لما خرج فيلم (سوبر مان) أنّ امرأة في الثمانين قفزت من فوق الطابق الثمانين من أجل أن يلتقطها (سوبر مان) !
هناك بعض الناس يقرأ عن شيء فيظنّ نفسه هو، ويضحك عليه الكاتب فيبتلعه، وهذا ذكره كثير من أهل العلم في أنّ القارئ ابُتلع. كما قالوا عن الغزالي قال أبو بكر بن العربي:"شيخنا دخل في أجواف الفلاسفة ولم يستطع الخروج"، لما قرأ لهم ابتلعوه.
قرأت لخليل نعيمة لمّا ذكر جبران خليل جبران قال:"جبران لما قرأ لنيتشه صار يشعر بالإنسان السوبر"؛ لأنّ نيتشه في كتابه (هكذا تكلم زارادشت) أعطى صورة للإنسان السوبر. الإنسان السوبر يعني الإنسان المميز الذي يستغني عن الإله ويستطيع أن
(1) قال الحافظ: أخرجه أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعا.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة [2985] بلفظ: [إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه] .