فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 715

ونحن نقرّها بهذا المعنى وليس بمعنى آخر-، يجب أن يكون رجلا قد تجاوز أن يكون محدّثًا. تجاوز ليس بمعنى أعرض عنها، إنّما استوعبها، هو محدث، وهو أصولي، وهو فقيه، وهو بلاغي، وهو نحوي، وهكذا. تجاوزها ليصل إلى ما يمكن أن يُسمّى بالمثقف الإسلامي أو المفكّر الإسلامي.

مع أنّ الواقع أنّ المفكر هو تجاوز لها بمعنى إلغاء. وأنا دائمًا أقول يسمّونه مفكرًا إسلاميًا ليهرب من التبعة؛ لأنّه لو قال فقيه سيُحاسب، لكن يقول أنا مفكر إسلامي حتّى لا يُعامل معاملة الفقيه مع أنّه يخوض في قضايا عظيمة يعجز أن يخوض فيها الفقيه ويخاف منها.

عندما يتحدّث المفكّر عن تصوّر الدولة الإسلامية، هذا تجاوز، الفقيه ربّما يخاف أن يتكلّم فيها. ما هي علاقة المسلمين بالآخرين؟ هذه قضية تجاوز لقضية الفقه، فبعد أن تستوعبها وتهضمها تستطيع أن تتحدث.

إذًا ينبغي لمن يعرض نفسه للنّاس على اعتبار أنّه مفكّر إسلامي -وليس على طريقة المفكّرين الذين يريدون أن يبطلوا قواعد الأصول وقواعد الحديث وقواعد التفسير من أجل أن ينفلتوا من عقال العلم وضوابطه الشديدة الحديدية فيسمّونه مفكرًا إسلاميًا- ينبغي أن يكون مستوعبًا لهذه العلوم وقادرًا عليها ليقدم الفكر الإسلامي.

فهذه لم تستطع المدرسة السلفية أن تخطو نحوها اقترابًا، لا نقول وصولًا بل لم تستطع أن تخطو نحوها اقترابًا. وإلى الآن كلّ من يريد أن يتكلّم في هذا المعنى في الفكر الإسلامي الذي طرحته إيجابيًا وليس سلبيًا، الّذي يريد أن يقترب، هذا للأسف لا يجد عند الناس احترامًا وحاله كحال الشيخ علي الطنطاوي -هذا نراه من الصغار- ما هو حال الشيخ علي الطنطاوي؟ الشيخ علي الطنطاوي يكتب أدبًا راقيًا؛ لأنه تلميذ الرافعي، فيكتب مقالات أدبية راقية، وهو في واقع الأمر يمارس القضاء الحنفي، فيجلس مع القضاة يقولون له:"ما أدخلك معنا أنت لست فقيهًا"، يقول:"فما أنا يا جماعة؟"يقولون:"أنت أديب، اذهب إلى جماعة الزيّاد وجماعة الرافعي والعقّاد"، فيذهب إلى جماعة الأدب، يقولون:"ما دخلك بنا أنت فقيه". فقال:"أنا ضيّعت حالي بين الفقه والأدب لا أهل الأدب قبلوني ولا أهل الفقه قبلوني". فهذا واقع.

وإذا سُئل أحد الصغار هل هذا المفكر هو فقيه؟ يقول لا، هذا ليس عالمًا. لأنّ العالم عنده هو الحالة الّتي تجاوزها هذا المفكر. يعني حملها واستوعبها ودرسها، وعرف مذاهب الفقهاء، وعرف الترجيحات ودرسها، وإذا ذهب إلى الأصول استطاع أن يتكلّم فيها مع كبار العلماء، وإذا ذهب إلى الحديث وصل إلى درجة المناظرة. ثمّ بعد ذلك يأتي هذا الصغير ويقول هذا ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت